منطقة أمنية لمن؟

منطقة أمنية لمن؟

راجح الخوري

قبل أن تهبط طائرة الرئيس رجب طيب أردوغان في موسكو، يوم الأربعاء الماضي، تعمّدت الخارجية الروسية توجيه رسالة ذات مغزى عميق، وتحديدًا إلى أنقرة، عندما أعلنت أن الموقف في منطقة خفض التصعيد في إدلب يتدهور سريعًا، وأن تلك المنطقة باتت تقريبًا تخضع بالكامل لسيطرة «جبهة النصرة» («القاعدة» سابقًا)، وقبل ذلك بيومين، كان وزير الخارجية سيرغي لافروف، قد أعلن أن السيطرة على منطقة إدلب يجب أن تعود إلى الحكومة السورية.

وكانت هذه رسائل قوية وواضحة إلى أردوغان، الذي يجهد بين واشنطن وموسكو لبسط سيطرته على شريط حدودي بعمق ثلاثين كيلومترًا داخل الأراضي السورية، وتحديدًا في منطقة إدلب، وكان واضحًا أنه فور إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، عن سحب القوات الأمريكية من سوريا، أن تركيا قفزت إلى الإعلان فوراً أنها تريد أن تسيطر على المنطقة الأمنية على حدودها الجنوبية.

ورغم أن ترمب كان قد أشار إلى هذه المنطقة الأمنية، تعجّل أردوغان بالإعلان عن أن تركيا ستسيطر عليها، ثم هدد بأنه سيشن عملية عسكرية ضد «قوات سوريا الديمقراطية»، ومعظمها من المقاتلين الأكراد، الذين أبلوا في المعارك ضد «داعش» بقيادة الأمريكيين وتغطيتهم الجوية، وحرروا الرقة كما هو معروف.

عندها ردَّ عليه ترمب بالقول: إن الولايات المتحدة ستدمر الاقتصاد التركي إذا هاجمت أنقرة الأكراد. ولكن بعد مكالمة هاتفية فورية بين الرئيسين، تراجعت التهديدات فجأة، وغاب التوتر، وكان مثيرًا أن يعلن أردوغان «أن الرئيس الأمريكي تطرق إلى منطقة آمنة بعرض عشرين كيلومترًا سنقيمها على طول الحدود السورية، وأن تركيا ستطلب هناك دعمًا لوجيستيًا من التحالف الدولي»، في حين أعلن إبراهيم كالين المتحدث باسمه، أن المنطقة ستكون تحت سيطرة تركيا.

الحديث المتصاعد عن السيطرة التركية بدا للمراقبين غريبًا لسببين: أولاً، لأن السيطرة الميدانية على منطقة إدلب هي في يد «جبهة النصرة» كما تعلن روسيا صراحةً، ما يزيد من الشكوك حول أن تركيا هي التي تدعم «النصرة» وتمدها بالسلاح والدعم، وثانيًا لأنه ليس كافيًا أن يتفق ترمب وأردوغان على هذه المنطقة الأمنية لكي يصبح الأمر واقعًا.

ذلك أن الرسائل الروسية المشار إليها أعلاه وصلت فورًا إلى أنقرة، ثم إن الحكومة السورية أعلنت أنها ستتصدى للتدخل التركي في أراضيها، أما «قوات سوريا الديمقراطية» فقد أعلنت أن هذه المنطقة ستكون منطقة احتلال تركي، وهذا ما ساعد الروس على إحياء الحوار والتعاون الميداني بين دمشق والأكراد، الذين قيل إنهم سيحصلون على حكم ذاتي، وعلى اعتراف بلغتهم الأم، وفي هذا السياق يقول لافروف:«على دمشق أن تسيطر على شمال البلاد، وندعم الاتصالات بين الأكراد والسلطات السورية».

ووسط كل هذا، ورغم أن الحسابات الروسية تدفع دائمًا في اتجاه السعي لانتزاع تركيا من حلف الأطلسي وإبعادها عن واشنطن، وسبق لها أن استثمرت في الخلاف بين واشنطن وأنقرة وباعت تركيا منظومة من صواريخ «إس 400»، فإنه ليس من المتوقع أن يحصل أردوغان على مباركة فلاديمير بوتين للسيطرة التركية على إدلب والشريط الحدودي، وذلك لأسباب إستراتيجية وأمنية.

ذلك أن بوتين ينظر إلى سوريا كقاعدة إستراتيجية مهمة للنفوذ الروسي العائد على مستوى السياسة الدولية، فمن القرم إلى دمشق يمتد الجسر الذي تعبر عليه روسيا لاستعادة دورها، وإحياء توازنات الاستقطاب الثنائي، ولهذا لن يسمح بوتين بأن تصبح القواعد الروسية في حميميم وجوارها عُرضة لاضطرابات تقوم بها «جبهة النصرة» التي تحظى برعاية ضمنية من أردوغان، ثم إن سوريا باتت قاعدة ارتكاز للمصالح الروسية في المنطقة، والعقود الطويلة المدى الموقَّعة مع دمشق تصل إلى خمسين سنة قابلة للتمديد.

وبوتين يعرف جيدًا أنه من غير المعقول السماح لأردوغان بالسيطرة على شريط حدودي بهذا العمق شمال سوريا، لأن من شأن هذا إبقاء جذوة الصراع قائمة، خاصة مع وجود النفوذ الإيراني، الذي يحاول منافسة موسكو على الجبنة السورية، ومع تصاعد حدة العمليات الإسرائيلية ضد المواقع الإيرانية في سوريا.

ثم إنه ليس خافيًا على الرئيس الروسي صحة كل ما أعلنه بريت ماكغورك المبعوث السابق للرئيس الأميركي إلى سوريا، عبر محطة «سي إن إن» قبل أيام عن الدعم الميداني، الذي لطالما وفّره أردوغان للإرهابيين، سواء في «داعش» أو «جبهة النصرة»، معلنًا صراحةً «أن تركيا فشلت في الاستجابة لمطالب قوات التحالف الدولي بوقف شحنات الأسلحة التي يتم تهريبها عبر الحدود التركية – السورية، للمساعدة في جهود محاربة الإرهابيين، ولم يتم الوفاء بأيٍّ من اقتراحات أنقرة المتكررة للمشاركة في محاربة «داعش»!

وما حصل مع الأمريكيين سبق أن حصل مع الروس، ذلك أن أردوغان يحاول دائمًا أن يضع على الطاولة مقترحات تبدو من الناحية النظرية جيدة، لكن لم يتم الالتزام بمضمونها، ولم يحصل أي تقدم، وفي هذا الصدد يقول ماكغورك:«قضيت وقتًا طويلًا في أنقرة لأن معظم المواد التي يتم تهريبها لإيصال الإمدادات لآلة الحرب للإرهابيين كانت بكل صراحة تمر عبر الحدود من تركيا إلى سوريا».

والمحادثات بين بوتين وأردوغان ركزت على محور أساس، وهو المنطقة الأمنية التي تريد تركيا السيطرة عليها، والتي ستؤخِّر طبعًا أيَّ حلٍ سياسي ممكن في سوريا، هذا إذا كانت موسكو راغبة فعلًا في الحل، لكن من الضروري أن نتذكّر أن الحديث عن المنطقة الآمنة بدأ بعد التفاهم بين الدول الثلاث الضامنة: روسيا، وتركيا، وإيران، على ما سُميت مناطق «خفض التوتر».

لهذا يبقى دائمًا في وسع بوتين أن يضع أمام أردوغان، ولو على سبيل التذكير والإحراج، نص ذلك الاتفاق الذي وُقّع في آستانة في الرابع من مايو (أيار) العام 2017، حول إقامة هذه المناطق، وأن يقرأ له مثلًا البند الثالث الذي يقول:«إن إقامة هذه المناطق لا تمس سيادة سوريا، واستقلالها، ووحدة أراضيها»، فما معنى السيطرة التركية على شريط حدودي بعمق ثلاثين كيلومترًا؟

أما البند السادس فأكد العزم على «محاربة (داعش)، و(النصرة)، والتنظيمات الإرهابية»، فماذا كانت النتيجة بعد مرور عامين تقريبًا، عندما تعلن موسكو أن «النصرة» باتت تسيطر على إدلب بالكامل تقريباً، أما البند الثاني فيقول: «إن هذه المناطق إجراء مؤقت لمدة ستة أشهر»، فما معنى إقامة منطقة آمنة تسيطر عليها تركيا من خلال مجموعات من التنظيمات والمسلحين الإرهابيين؟

في النهاية مَن نصدّق؛ بيان الرئاسة التركية الذي أعلن بعد المحادثات الهاتفية بين ترمب وإردوغان، أنهما بحثا فكرة إنشاء منطقة يتمّ تطهيرها من الإرهابيين شمال سوريا، أم بيان الخارجية الروسية الذي أعلن عشية القمة بين أردوغان وبوتين، أن محافظة إدلب باتت بالكامل تحت سيطرة «جبهة النصرة»، التي كانت تركيا قد تعهدت بمحاربتها والقضاء عليها في آستانة قبل عامين، في حين يؤكد بريت ماكغورك أن تركيا تنخرط عميقًا في رعاية «النصرة» التي تسيطر على إدلب؟

الشرق الأوسط

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة