مع اقتراب موعد ”بريكست“.. الحيرة سيدة الموقف

مع اقتراب موعد ”بريكست“.. الحيرة سيدة الموقف

عدلي صادق

في هذه الأثناء يتركز نظر البريطانيين وعقولهم على دائرة اتخاذ القرار في لندن: هل سيقع الإعصار، ويبدأ الخروج الخشن أو الغليظ، دون اتفاق، في يوم 29 مارس المقبل، أم أن هناك حلولا للانسداد وللأزمة السياسية؟ وهل يمكن أن تستفيد الحكومة البريطانية من فقرة من قرار أصدرته المحكمة الأوروبية، جاء فيها أن بمقدور بريطانيا إلغاء مجمل مشروع الخروج من الاتحاد الأوروبي “دون اشتراط موافقة الدول الأخرى الأعضاء فيه”، ثم تذهب إلى انتخابات عامة أو إلى استفتاء ثان على الطلاق مع الاتحاد الأوروبي؟

بدورهم، يترقب الأوروبيون التطورات بانتباه شديد، كما يتابع مشجعو كرة القدم مباراة حاسمة، بينما المباراة لا تزال في شوطها الأول، والمنازلة ليست سهلة. فقبل أيام أعلن مجلس العموم البريطاني، عن رفض خطة رئيسة الحكومة تيريزا ماي للخروج. وعندما رحب رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك بما أعلنه مجلس العموم البريطاني، استطرد متأسيا على الحال البريطانية الراهنة، قائلا “صحيح أن الانقسامات في المملكة المتحدة قد تؤدي إلى إلغاء خروجها من التكتل القاري، لكن تصريحات ماي المتكررة الرافضة للتخلي عن البريكست، وتأكيدها على الالتزام بنتائج انتخابات 2016، يجعل أي إلغاء للخروج رهنا بحدوث تحول سياسي كبير على الساحة البريطانية”. فقد كان الرجل ينوّه إلى خطوتين أوليين هما استقالة ماي وتغيير الحكومة!

مع اقتراب موعد الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، يزداد السجال احتداما بين مؤيدي الخروج ومعارضيه. وقد أدت التطورات وما ظهر عند البريطانيين، من حسابات “بريكست” وتداعياتها؛ إلى ازدياد فريق معارضي الخروج، خصما من أعداد المواطنين المؤيدين. والحكاية بكل جوانبها تمثل أزمة سياسية غير مسبوقة خلال نحو نصف القرن.

وفي هذا السياق نجت السيدة ماي من محاولة لحجب الثقة عنها في البرلمان، وكأن نتيجة التصويت على مشروع حجب الثقة، أعطاها الفرصة لكي تطرح مقاربة جديدة. لذا سرعان ما دعت إلى حوار بين كافة الأطياف السياسية لـ”كسر الجمود في الموقف الراهن، ومحاولة بلورة صيغة مُتفق عليها، تلقى موافقة مجلس العموم” حسب تعبيرها. وعلى الرغم من ذلك، أكدت رئيسة الحكومة البريطانية، على أن ما ترجوه، هو أن “تجسّد أيّ صيغة يتوصل إليها المتحاورون، نتائج استفتاء 2016 الذي وافق 52 بالمئة من المشاركين فيه على التخلي عن عضوية الاتحاد الأوروبي”!

من خلال هذا المنطق، ستكون الصيغة التي ترجوها ماي، بعد مفاوضات مضنية مع القادة الأوروبيين، هي تنفيذ مشروع الخروج نفسه، دون أن تكون هناك أهمية في نظر الأوروبيين لأيّ تعديلات جانبية. وفي هذا الإطار، بدأت نُذر إعصار سياسي في بريطانيا، مع اقتراب موعد “الطلاق” مع أوروبا. فمن جهة، انتقدت الحكومة قرار البرلمان بمعارضة الخروج، وقالت ناطقة باسمها “إن النواب لم يحترموا التصويت الشعبي خلال استفتاء 2016، في حين أن البرلمان نفسه، لم يحصل على حق خطف عملية الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، بل إن الفشل في إنجاز بريكست سيؤدي إلى فجوة ضخمة بين البرلمان والشعب، وإلى انقسام في نظامنا السياسي لا يمكن التكهّن بعواقبه”!

من جانبه يتمسك مجلس العموم بحقه في تحديد مسار البلاد، ومن ضمن البرلمان، على يمين رئيسة الحكومة، يناهضها نواب من حزبها، وصفتهم بـ”المتآمرين” الذين يريدون خطف ملف الانسحاب من يد الحكومة. فقد صوت هؤلاء في مجلس العموم ضد الخروج، وعللوا ذلك بمحاولتهم التوصل إلى حلّ للفوضى التي سبّبتها رئيسة الوزراء، وهم ليسوا متآمرين وإنما نواب يؤدون واجبهم!

في هذا الخضم، بدت رئيسة الحكومة البريطانية محشورة بين معارضي الخروج ومعهم متحمسون سابقون له، يعارضونه توخيا لصيغة أكثر تشددا، في الاتجاه المحافظ -من جهة- والاتحاد الأوروبي نفسه الذي لن يستجيب لها في حال مطالبتها الأوروبيين بجولة مفاوضات جديدة. فقد أعلن القادة الأوروبيون عن رفضهم التفاوض باعتبار المسألة عندهم تتعلق بأحد أمرين إما تنفيذ قرار الخروج وتحمل نتائجه، أو إلغائه جملة وتفصيلا.

وفي الحقيقة نجم موقفهم هذا عن تشدد تيريزا ماي نفسها، عندما وضعت خطوطا حمراء، تبدو الآن مستعدة للتراجع عنها، مثل رفض التقيد بشروط الانضمام إلى السوق الأوروبية الموحدة، ولا سيما حرية تنقل الأشخاص، والتأكيد على حرص بريطانيا على أن تكون لها حريتها الكاملة في المبادلات التجارية، وعلى أنها ستخرج من الاتحاد الجمركي الأوروبي بعد إتمام عملية الخروج من الاتحاد!

وعلى الرغم من رغبة رئيسة الحكومة البريطانية في إجراء جولة الحوار التي يرفضها الأوروبيون؛ إلا أن مثل هذا الحوار، في نظر معظم المحللين البريطانيين، سوف يُعرّضها شخصيا لهزيمة سياسية على المسرح الأوروبي ليست في حاجة إليها وهي تواجه ما تتعرض له على المسرح البريطاني.

وقد بدا أن استمرار الرغبة لدى ماي في محاولة التفاوض مع الأوروبيين، جاء على خلفية تصريح للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، قالت فيه على نحو يشبه التعاضد النسائي “لا يزال هناك وقت للتفاوض، وأدعو السيدة ماي لتقديم اقتراحات حول ملف الخروج، أو تنفيذ بريسكت”.

وظل القادة الأوروبيون، يرفضون التفاوض في موضوع تنفيذ الخروج أو تسهيله، وأدركوا أن ماي تسعى للحصول على تطمينات أوروبية تساعدها على تمرير الاتفاق في مجلس العموم، وهذا ما جعلهم يحاذرون من التفاوض معها.

وبالطبع، يمثل الخروج دون اتفاق تفصيلي -وهو مستبعد- عنصر إزعاج للبريطانيين وللأوروبيين على السواء، بسبب ما سيتحملونه جميعا من خسائر. فالأمر هنا، يتعلق بالشعوب واقتصاداتها ومصالحها. إن البريطانيين، وهم الذين سيكونون الأكثر تأذيا، تلقوا التحذير من البنك المركزي البريطاني، عندما أكد على أن الخروج غير المنظم من الاتحاد الأوروبي، سيدفع بالبلاد إلى منزلق اقتصادي حاد بانكماش يصل إلى 8 بالمئة وإلى ركود لنحو خمس سنوات، وإلى هبوط للجنيه الإسترليني بنسبة يمكن أن تصل إلى 25 بالمئة وإلى تراجع بنسبة 30 بالمئة في أسعار العقارات.

أما الأوروبيون، فإنهم سيعانون بسبب “الخروج الغليظ” من اختلالات اقتصادية هيكلية، وخسائر تقدر بــ250 مليار يورو مع خسارة مليون وظيفة عمل، وتراجع نسب الناتج القومي لبلدان القارة بنحو 2 بالمئة.

في هذا الوقت، يدفع حزب العمال البريطاني، في اتجاه الذهاب إلى انتخابات عامة، ويتحاشى الدعوة علنا إلى استفتاء ثان على الخروج، لكي لا يسجل على نفسه السقوط في ذميمة المساس بالقواعد الديمقراطية. وتميل ماي إلى تأجيل تنفيذ الخروج، لأن المدة المتبقية عليه ليست كافية للتوصل إلى مخرج خلال تسعة أسابيع.

وبدا أن الخيار الذي كان مستبعدا قبل أشهر، يصبح تدريجيا هو الحل دون أن يتبناه أحد حتى الآن، ونعني به الاستفتاء الثاني على الخروج من الاتحاد الأوروبي. فالمتشددون حيال احترام الإرادة الشعبية، يرون في الاستفتاء الثاني، استهتارا بأصوات ما يزيد عن 17 مليونا ونصف مليون بريطاني. وقد بدأت أنباء ترجح بدء نواب عماليين بنشاط في مجلس العموم البريطاني، للدفع في اتجاه استفتاء ثان، لتلافي الإعصار، بينما الحيرة لا تزال سيدة الموقف في بريطانيا.

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة