نهاية زمن التقاعس الأميركي

نهاية زمن التقاعس الأميركي

إميل أمين

هل انتهى زمن التقاعس الأميركي في الشرق الأوسط على نحو خاص؟ من أفضل الملكات التي وهبها الخالق للعقل البشري تبقى ملكة النقد؛ فهي التي تعطي مقدرة حقيقية على معالجة الأخطاء، ولا سيما إذا كانت جسيمة، وهو ما جرت به مقادير إدارة باراك أوباما ولمدة ثماني سنوات تجاه الخليج العربي والشرق الأوسط.

من على منصة الجامعة الأميركية في أطراف القاهرة تحدث وزير الخارجية الأميركي جورج بومبيو عن إشكالية الاعتراف بالحقيقة، وكيف أنه ليس من السهل حدوث الأمر، لكن هناك حتمية أخلاقية أن تذكر حينما يراها الناس، وقد أخطأت واشنطن باعتراف عميد الدبلوماسية الأميركية، ومن قبل كبير العسس، إن جاز لنا أن نستعير مفردات الجبرتي.

اتهامات بومبيو من القاهرة لإدارة أوباما وما ارتكبته من تشجيع لآيديولوجيات ظلامية من جهة، والارتماء في الأحضان الإيرانية من ناحية ثانية، تذكرنا بما قاله ثعلب السياسة الأميركية هنري كيسنجر في كتابه عن «النظام العالمي»، من أن «السياسات الأميركية متناقضة متذبذبة بين واقعية روزفلت ومثالية ويلسون»، وربما هذا ما يعود بنا عربياً إلى التفكير بصوت عال حول المستقبل ومن يرسمه، والسياسات على الأرض من يخططها، ذلك أنه إن لم تقم أنت ببناء أحلامك سيقوم أحدهم بتوظيفك لبناء أحلامه.

خطاب بومبيو يستدعي مقولة شهيرة: «العسكرية الأميركية لا تستطيع أن تحدد النهايات»، لكن ومع ذلك يبقى دورها مهماً في عالم تتغير أبعاده وحظوظه؛ ولهذا هيمنت المخاوف على سكان المنطقة من جراء طرح الرئيس ترمب الخاص بالانسحاب من سوريا، وربما أتى بومبيو ليؤكد أن الحضور الأميركي سيبقى سواء في مواجهة إيران، أو للقضاء المبرم على «داعش»، وبينهما تطمين الحلفاء بأن الشراكة الأميركية مع الحلفاء باقية وقوية.

عشر سنوات هي الفارق بين خطابين؛ الأول ألقاه باراك أوباما في جامعة القاهرة عام 2009، وخطاب بومبيو في 2019، وبينهما اختلاف كبير في التوجهات؛ فقد أدى الأول إلى انهيار في الجسم العربي وتفكك دول بأكملها من جراء التقليل من شأن التطرف والآيديولوجيا المتطرفة؛ مما ساهم في نشر الإرهاب والجماعات المتشددة في دول عدة… يقول بومبيو، في حين الآخر يحمل آمالاً وتطلعات عريضة لمستقبل أكثر تعاوناً وشراكة بنّاءة للجانبين.

لا يملك المرء سوى الثناء على بعض نقاط خطاب بومبيو، ومنها على سبيل المثال إشارته إلى أن «الولايات المتحدة قد تعلمت من أخطاء الماضي، ولا سيما الانسحابات التي تحدث الفوضى، وتجاهل الأصدقاء الذي يولد المشكلات».

نبرة الحديث ومفرداته لا يمكن بالمرة أن تكون للرئيس ترمب، لكنها لمراكز القوة الحقيقية في الدولة الأميركية العميقة، تلك التي تدرك وعن حق معنى العلاقات الاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية ومصر بنوع خاص، وكيف أن أخطاء أوباما التي لامست سقف الخطايا، هي جرم لا يغتفر، ويحق للمرء أن يسأل بومبيو هل ما فعله الرئيس السابق هو تقليل أو تهاون وتماهٍ وغض بصر يصل إلى حد المؤامرة حين حاول تمكين راديكاليات شريرة من قلب العالم العربي؟

السؤال المتقدم حكماً سيجيب عنه التاريخ، كما ستكشفه لنا الوثائق الأميركية التي سيفرج عنها بعد زمن مقدر، لكن القاعدة الشرعية في كل الأحوال: «لا تغفر الذنوب إلا برد المسلوب»؛ الأمر الذي يلقي على كاهل واشنطن استحقاقات شرق أوسطية كثيرة، والعهدة على بومبيو الذي أكد أن إدارة أوباما على سبيل المثال أخطأت في قراءة التاريخ؛ ما أثر بصورة سلبية في حياة مئات الملايين في مصر وجميع المنطقة.

في مقدمة التبعات التي يتعين على الولايات المتحدة مجابهتها، الأزمة الإيرانية التي تحتاج إلى مواقف حاسمة وحازمة من غير تلاعب على المتناقضات، فأنشطة إيران التخريبية تستدعي اجتثاثاً جذرياً لا مسكنات وقتية، ولا سيما وهي تعزز من أوضاع وكلائها في المنطقة، وتصنع من بعضهم قوة مزعجة تمتلك نحو 130 ألف صاروخ، كما الحال مع «حزب الله»، الذي يحاول بسط هيمنته على لبنان.

أمر آخر متصل بالقضاء على «داعش»، وقد أشار الرجل إلى أن واشنطن ستبقي هجماتها قائمة وقادمة كلما تطلب المشهد في سوريا تجاه «داعش»، لكن الأكثر أهمية في حقيقة الأمر هو حديث كبير الدبلوماسية الأميركية عن جماعة «الإخوان» الإرهابية واعتبارها لا تختلف في السلوك عن «داعش»؛ ما يعني بداية قراءة مغايرة لوزارة أميركية متقدمة لا تزال تعج بعناصر متعاطفة مع «الإخوان» وتفتح لهم النوافذ والأبواب في الداخل الأميركي، وعليه فالجميع يتطلع لمعرفة هل تنوي واشنطن بالفعل القيام بتحرك رسمي تجاه إعلان «الإخوان» جماعة إرهابية، أم ستبقى المواقف مراوغة من أجل تحقيق أهداف ماورائية لا تظهر في مجريات الأحداث الآنية؛ ما يقلل من درجة موثوقية أميركا عند حلفائها الذين عانوا من مرارة إرهاب «الإخوان» قبل سنوات ولا تزال خلاياهم الإرهابية تعيث فساداً؟

يحاجج بومبيو بأن أميركا قوة للخير في الشرق الأوسط، وأنه إن لم تفعل ذلك، فهي تتخذ خيارات سيئة الآن وفي المستقبل، وفي الحق أنه كلام جميل، لكنه في حاجة إلى ترجمة فعلية على الأرض؛ إذ ليس سراً أن واشنطن خسرت كثيراً من نفوذها شرق أوسطياً، وباتت هناك قوى دولية فاعلة أخرى تلعب أدواراً تقدمية في مقدمتها روسيا والصين، ولم تعد خطابات دغدغة المشاعر هي الحكم والفيصل، بل الأفعال الإيجابية والخلاقة التي تنهي فصولاً من مآسي منطقة أصبح الموت فيها عادة.

الكثير من رؤى بومبيو تمنيات وأحلام مخملية الوصول إليها صعب، ويحتاج إلى دروب ومساقات عسيرة؛ فالحلم على سبيل المثال ببناء عراق خالٍ من النفوذ الإيراني ونبذ الطائفية ونشوء وارتقاء ديمقراطية وانتخابات شفافة ونزيهة في حاجة إلى إنهاء الإشكال الإيراني أولاً، وكذلك سلام اليمن، واضطراب الوضع السياسي في لبنان، فقد خلق أوباما وحشاً فرانكشتانياً من إيران، القضاء عليه أمر مرير.

لا يقلل المحلل لمشهد بومبيو في القاهرة من خطوط الأمل التي يرسمها، لكن تبقى هناك عبارات في حاجة إلى توضيح وتفسير مباشر، ولا سيما إشارته إلى مسؤوليات جديدة يتحملها حلفاء واشنطن في المنطقة؛ الأمر الذي يفسر بأنه دعوة مستترة لفكرة الناتو العربي، ليحل محل الجنود الأميركيين المنسحبين من سوريا، وهي مسألة في حاجة إلى إعادة قراءة ونقد بعين التمحيص المطلق.

مرة جديدة، التحالف مع الولايات المتحدة أشبه بالعيش على ضفاف نهر كبير، الأرض خصبة جداً، لكن كل أربع أو ثماني سنين، يغير النهر مجراه، وقد تجد نفسك وحيداً في الصحراء.

الشرق الأوسط

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com