علمنة الوعي وعلمنة الدولة

علمنة الوعي وعلمنة الدولة
خالد الدخيل

ما هي علمنة الوعي؟ إذا كانت العلمانية (بفتح العين والميم وتسكين اللام) تشير إلى الحياة الدنيا بدلالتها الشاملة، تصبح العلمنة هي عملية الوعي بالقوانين والنواميس التي تحكم الحياة الدنيا (الطبيعة والإنسان والمجتمع والتاريخ)، وضرورة الاعتراف بها وبإكراهاتها، وبالتالي التعامل معها بما يحقق مصلحة الإنسان والمجتمع. لكن عملية الوعي هذه ليست بالسهولة والبساطة التي يوحي بها هذا التعريف.

على العكس، علمنة الوعي هي عملية ثقافية اجتماعية سياسية طويلة ومتدرجة، مرت وتمر بصعوبات ومعوقات متعددة، منها ما يتعلق بدرجة التعليم والوعي، ومنها ما يتعلق بهيمنة أيديولوجيا، دينية أو غيرها، أو بحال سياسية تعرقل، أو تشجع صيرورة هذا الوعي. والحقيقة أن علمنة الوعي بهذا المعنى هي في مقابل الوعي الديني، بما في ذلك الوعي المذهبي، عندما يتخذ صيغة أيديولوجية شاملة تهدف إلى السيطرة على الوعي الإنساني، والتضييق عليه ليصبح في حال ارتياب من فكرة العلمنة. ظاهرة العنصرية التي عرفتها الولايات المتحدة حتى ستينات القرن الماضي، وجنوب أفريقيا حتى أواخر القرن ذاته، كانت تستند في ما تستند إليه إلى مبررات أيديولوجية دينية. كانت العنصرية تقاوم عملية علمنة وعي المجتمع بالحقيقة الطبيعية للإنسان، وأن لون هذا الإنسان لا يعبر عن جوهره، ولا عن شخصيته.

في منطقتنا هناك حال الطائفية في الإسلام، وهي مثال آخر على وعي ديني منحرف، يجعل من المذهب الأصل في جوهر الإنسان، وليس الإنسان بتكوينه وطبيعته. وهذه الحال نعيش مأساتها الآن في العراق وسورية، بشكل خاص. في كلتا الحالتين يسيطر وعي ديني منحرف ومتطرف، يضع حواجز وموانع أمام علمنة وعي الإنسان، ومن ثم الوعي الاجتماعي.

لكن العلمنة في واقع الأمر عملية لا تتوقف. قد تتعثر، وقد تتباطأ، لكنها لم تتوقف في الماضي، ولن تتوقف في الحاضر. هناك مثال التداوي بالسحر، أو الاستعانة بالجن، والتعويذات، والخوف من العين،… الخ. هذه لا تزال موجودة، لكن انتشار الطب، ومؤسسات العلاج الحديثة مستمر، ويضيق من مساحة تلك المعتقدات والممارسات. وهذه علمنة مستمرة، في موازاة ذلك الوعي الديني، أو لنقل الوعي المؤسطر للدين.

مساحة التوازي هذه أوسع من ذلك بكثير. فظهور الدولة بحد ذاته كعلامة من علامات علمنة المجتمع يتوازى مع وعي ديني لدى الفرد الذي يعمل في الدولة، وفي المجتمع الذي يخضع لحكمها. وهو وعي تخضع له الدولة، أو تستخدمه لمصلحتها السياسية. كذلك انتشار التعليم، والشركات، والمصارف، وأسواق الأسهم، والتأمين، ومؤسسات الإعلام، والثورات التكنولوجية التي لا تتوقف. المشترك بين كل هذه العمليات وغيرها أنها تحتكم في سيرورتها إلى معطيات وقوانين دنيوية خالصة، لكن من دون أن يعني ذلك اختفاء الوعي الديني وتلاشيه. وقد كشفت عملية الاكتتاب في أسهم «البنك الأهلي» السعودي الأخيرة تجاور وصراع وعي ديني يحرم الاكتتاب، مع وعي علماني لا يرى مبرراً لهذا التحريم. والنتيجة أن الاكتتاب حصد أكثر من 300 بليون ريال سعودي، بما جعله من بين أضخم الاكتتابات في المنطقة. من يعمل في سوق الأسهم – مثلاً -، أو يتعامل معها، معنيّ قبل أي شيء آخر بتحقيق الربح. طبعاً الربح الحلال. لكن هل هو حلال طبقاً للشريعة، وفق الوعي الديني؟ أم طبقاً للأنظمة التي تنظم عملية تداول الأسهم كجزء من عملية علمنة لا يمكن تفاديها؟

هذا المعنى للعلمنة موجود في الحديث النبوي الذي أخرجه مسلم عن أنس بن مالك، وهو أن رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) مرّ بقوم (في المدينة) يلقّحون النخل، فقال «لو لم تفعلوا لصلح. قال فخرج شيصاً (أي تمراً رديئاً). فمرّ (الرسول) بهم فقال: ما لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا وكذا… فقال: أنتم أعلم بأمور دنياكم». وفي رواية أخرى، أن النبي قال: «إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به. وإذا أمرتكم بشيء من رأي، فإنما أنا بشر». في هذا الحديث تمييز باكر وواضح بين أمر الدنيا وأمر الدين، ومقتضى كل منهما. ففي أمر الدنيا يعترف الرسول للناس بأن هناك فسحة واسعة أمامهم للرأي والاجتهاد وفق المصلحة. أما في أمر الدين، فالواجب الأخذ بما جاء به. وموضوع النخل الذي ورد في هذا الحديث مثال على ضرورة الوعي بمتطلب التلقيح (أو التأبير) امتثالاً لقانون الطبيعة الخاص بنبات النخل، وذلك لتحقيق المصلحة. وهو بهذا المعنى وعي علماني (أو دنيوي).

انطلاقاً من ذلك، يمكن القول بعبارة أخرى إن العلمنة هي تمييز بين مجالات الحياة في المجتمع، ومن ثم الوعي بمقتضيات ومتطلبات كل مجال منها. وهي بذلك خروج من سلطة تراث وتقاليد، ومن سلطة مؤسسة دينية، لا تترك مساحة لضرورة هذا التمييز، إلى سلطة أخرى أكثر رحابة وأقدر على الاستجابة لهذه الضرورة. وتلك هي سلطة المنطق والعلم، وسلطة مؤسسة الدولة. وهذا ما يشير إليه الفيلسوف الإنكليزي برتراند راسل أثناء تناوله مسألة الحداثة في أوروبا، وذلك في كتابه «تاريخ الفلسفة الغربية». يقول في هذا الصدد: «تتميز الفترة الزمنية من التاريخ التي تعرف بأنها حديثة برؤية ذهنية تختلف عن رؤية فترة القرون الوسطى بطرق مختلفة. ومن بين هذه الطرق تبرز اثنتان: تراجع سلطة الكنيسة، وتعاظم سلطة العلم». (ص 454).

بعبارة أخرى، الحداثة هي الذروة التي وصلت إليها عملية علمنة الوعي حتى الآن. لكن المسار الذي تطلبه هذا التحول كان طويلاً. لذلك يضيف راسل أن العالم القديم وجد نهاية للفوضى في الإمبراطورية الرومانية. لكن هذه الإمبراطورية كانت حقيقة (علمانية) متوحشة، ولم تكن تجسيداً لفكرة. بدوره بحث العالم الكاثوليكي (في العصور الوسطى) عن نهاية للفوضى من خلال الكنيسة. ومع أن الكنيسة كانت بالفعل فكرة، إلا أنها لم تتجسد أو تنتظم بشكل كافٍ في حقيقة. ولذلك لا الحل القديم، ولا حل العصور الوسطى كان كافياً ومرضياً. فالأول لم يكن قابلاً للتجسد في فكرة، والثاني كان معانداً للحقيقة. الأمر الذي فرض الحاجة الى فلسفة جديدة.

يمكن الاستنتاج مما قاله راسل بعد ذلك عن «الفلسفة الجديدة» ابتداء من عصر النهضة في إيطاليا حتى أوائل القرن الماضي، أن علمنة الوعي في أوروبا أفضت أخيراً إلى علمنة الدولة، أو أن عملية التمييز بين مجالات الحياة وصلت مرحلة متقدمة بحيث جعلت من علمنة الدولة أمراً لا يمكن تفاديه. وهو ما يفرض هنا أكثر من سؤال: أحدها عن مسار علمنة الوعي في العالم العربي، والآخر عن الفرق بين علمنة «الوعي»، وعلمنة «الدولة». ولهذا حديث آخر.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com