موسم الحرير

موسم الحرير

سمير عطا الله

ثلاثة رجال: الأول أفريقي بشرةً وجعدًا وقلبًا. الثاني استعماري عنصري أبيض. الثالث روسي شيوعي، وُلد ونشأ في ظل تعاليم لينين. كل واحد وُلد في فكر مغلق على نفسه. كل واحد يعتقد أنه يملك الحق والحقيقة، وخصمه متخلف لا يملك شيئًا.

نحن أهل القرى في لبنان، وُلدنا في بيوت كانت تلحق بها مزارع حرير. ورق التوت تولد منه شرنقة مغلقة مثل حبة الفستق. ومن هذه الحبّة تنعتق شيئًا فشيئًا فراشة لها ألف لون، تنفلت ثم تحلِّق فوق البساتين والحقول.

نيلسون مانديلا خرج من شرنقته ليصفح عن ظلم البيض. وف. دبليو دي كليرك خرج من شرنقته ليعتذر عن استبداد الرجل الأبيض. وفي موسكو خرج ميخائيل غورباتشوف من الجمود المسطح ليطلب الحرية لأهله ورفاقه. أولئك كانوا أهم ثلاثة رجال في تاريخ الإنسانية القرن الماضي. ليس الذين صنعوا شرنقة حول أنفسهم ولم يخرجوا منها. ليس الذين لم يروا سوى ظلام الشرانق ولم يرفرفوا في الحقول ويمتعوا النفس بما بسط الخالق من جمال وبهجة وآفاق.

الانغلاق يولد نفوسًا مظلمة وقلوبا ظالمة. ما أكرم الأنفاق التي يظهر في آخرها الضوء وتشرق على مخارجها الشمس. حملني إلى كل ذلك مذكرات فلاديمير نابوكوف، عملاق الأدب الروسي المعاصر. يقول إنه كلما كان يصحو ويرى الشمس مشرقة، فإن أول ما يخطر له الفراشات التي سوف يراها في الحديقة. نحن كنا نسمي الزرع حول البيوت البسيطة «جنينة»، تصغير جنّة. وكانت هي ملاعبنا ومسرّاتنا وألعابنا وعالمنا. وكنّا نطارد الفراشات لا لجمالها، بل لفضولنا الطفولي الذي يُشعرنا أن تلك هي حدود العالم، وإنه عالم جميل.

عندما كبرنا، رأينا أن ما هو مفتوح أمامنا ليس الحقول والزهور، بل الشرانق. كل واحد مدعو إلى شرنقته، لا يطل منها إلاّ ليكره شرنقة الآخر ويحسدها وينم عليها.

كم أحببت منظر الفراشات تتململ وتشق عالمها وتطير في هدوء سماوي جميل. لا زعيق ولا غضب ولا طمع ولا كره ولا منافسة ولا عداوات. تأخرت عمدًا في اكتشاف العالم الحقيقي، أو حقيقة العالم. فضّلت أن أبقى حالمًا ومخطئًا. والآن، كلما أطل فارس شجاع من شرنقة مظلمة، أدعو له، وأتمنى له حياة في جنتين؛ الأولى، والتي هي خير منها.

(الشرق الأوسط)

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com