إيران وسياسة بيع الوهم – إرم نيوز‬‎

إيران وسياسة بيع الوهم

إيران وسياسة بيع الوهم

عبد القادر الزاوي

إن نزعة الهيمنة وعقيدة التوسع لدى إيران ثابتة رغم تغير الأنظمة وتبدل القائمين عليها، فالأطماع في الخليج تمثل معطى راسخًا في السياسة الخارجية الإيرانية منذ زمن طويل، وإذا كانت قد تسلحت زمن الشاه بالقوة العسكرية المطلقة، فإنها في زمن الملالي مزجت العديد من الوسائل أهمها :

1- التعبئة الإعلامية والثقافية: كانت التعبئة شاملة جرى فيها توسيع الملحقيات الثقافية في كل سفارات إيران بالعالمين العربي والإسلامي وبالدول التي توجد بها جاليات مسلمة مهمة، كما تم توظيف مفهوم المظلومية لاستقطاب الأجيـال الشابة، واللعب على وتر القضايا العربية الحساسـة والعاطفية، وأهمها القضية الفلسطينيـة، التي أدرك نظام الخميني أهميتها في استراتيجيته منذ الوهلة الأولى، حيث بادر بمجرد توليه السلطة إلى قطع العلاقات مع إسرائيل وتسليم مقر سفارتها في طهران إلى منظمة التحرير الفلسطينية.

وعدا تلك الخطوة، إضافة إلى الحركة الفولكلورية التي تقوم بها سنويًا بما تسميه ”يوم القدس العالمي“ في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان كل سنة، فإن إيران ساهمت في تشتيت وحدة الصف الفلسطيني وضربت وحدانية شرعية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية للشعب الفلسطيني عبر دعمها لفصائل إسلامية وتقوية شوكتها ضد باقي الحركات، ناهيك عن أنها طوال أربعين سنة من ادعاء العداء مع إسرائيل والترديد المتواصل لمحوها من الوجود، لم تطلق طلقة رصاصة واحدة مباشرة ضدها.

2- التعبئة الطائفية: هذه هي أساس الاستراتيجية الإيرانية كلها، لأنها تعتمد على اختراق الطوائف الشيعية أقلية كانت أم أغلبية نسبية في مجتمعاتها، واستقطاب العديد من شبابها، وذلك بعد العمل على تغيير مذهب الكثيرين منهم أو تغيير مراجع التقليد التي يتبعونها لحشدهم خلف ولاية الفقيه سعيًا إلى توسيع دائرة نفوذها، رغم أن المرشد علي خامنئي أقل دراية بالمذهب الجعفري من كثير من مراجع التقليد الموجودة.

3- تشكيل مليشيات عسكرية أو على الأقل زرع خلايا سرية كفيلة بزعزعة الاستقرار، عندما تتلقى أوامر الولي الفقيه.

وقد كانت فاتحة هذه السياسة إنشاء حزب الله اللبناني الذي وفر بيئة خصبة لا ستقطاب ناقمين شيعة من كافة الأقطار العربية، ومنحهم تداريب عسكرية ودورات تثقيفية تعبوية، مثلما حصل مع حركة أحرار البحرين التي قضت عليها يقظة الأمن البحريني. هذا من دون إغفال الدعم الذي يمنح لكثير من التنظيمات الشيعية أو المتشيعة كما يجري حاليًا مع حركة أنصار الله الحوثية.

إن نظرة عامة للأوضاع في منطقة الشرق الأوسط تعطي الانطباع بأن الاستراتيجية التوسعية والعدوانية لإيران قد حققت لها مكاسب جمة، وسمحت لها بإيجاد أكثر من موطئ قدم في العديد من عواصم العالم العربي، وساعدتها على التدخل في الشؤون الداخلية للعديد من دول المنطقة، ولكن رغم  ذلك يجد ملالي طهران أنفسهم غير قادرين على ترجمة ما حققوه إلى نفوذ وهيمنة معترف بها أو مكاسب سياسية واقتصادية وتجارية تنعش بها اقتصادها المتهالك، والظروف المزرية للكثير من المواطنين الإيرانيين. فالعكس هو الصحيح، إذ بدأت طهران تتوجس من التطورات التي تفلت من بين أيديها، ومن ارتفاع التكلفة المالية والبشرية التي تكبدتها. وهذا ما يستشف مما يلي :

– نزلت إيران بكل ثقلها وثقل الميليشيات التابعة لها في لبنان والعراق دعمًا لنظام الرئيس السوري بشار الأسد. ومع ذلك لم تستطع ضمان صموده لولا التدخل الروسي الذي أرغمها على القيام بدور ثانوي في سوريا عسكريًا وسياسيًا لدرجة أنها تقف عاجزة عن الرد ضد توالي الهجمات الإسرائيلية على العديد من مراكز قواتها وقوات الميليشيات الحليفة معها في داخل العمق السوري نفسه.

– دفعت إيران الميليشيات الحوثية إلى الانقلاب على الحكومة الشرعية والانقضاض على السلطة في صنعاء في سعي محموم إلى تطويق دول مجلس التعاون الخليجي من خاصرتها الجنوبية، ولكنها فشلت في أن تؤمن لها لا عسكريًا ولا دبلوماسيًا مقومات مواجهة التحالف العربي الذي حرر بمساعدة قوات الشرعية اليمنية معظم المناطق في البلاد، كما عجزت عن توفير دعم مالي ومعيشي يمكن هذه الميليشيات من اتقاء تزايد السخط الشعبي ضدها.

– رغم نفوذها الواسع في بغداد، أظهرت التطورات على الساحة العراقية أن طهران غير قادرة على كبح التأثير الأمريكي في القرار العراقي، وعاجزة أيضًا عن منع انفتاح قيادات شيعية وازنة ( مقتدى الصدر وعمار الحكيم ) على دول الخليج، ومنع حكومة بغداد من التقرب إلى الرياض والموافقة على تأسيس مجلس تعاون وتنسيق معها.

– إن محدودية السياسة الإيرانية في المنطقة رغم الإنفاق الضخم عليها تتجلى كثيرًا في لبنان أيضًا حيث لا يلعب حليفها حزب الله عن طريق ذراعه السياسية سوى دور التشويش والفرملة للقوى السياسية الأخرى من دون أن يستطيع فرض توجه معين عليها، أو يضمن تعاونها معه إزاء الخطوات التصعيدية التي اتخذت ضده من طرف واشنطن وعواصم عربية استطاعت أن تصنفه تنظيما إرهابيا.

– ظهر منتهى العجز الإيراني رغم كل الادعاءات حين وقفت مشلولة عن توفير الحماية لعمائم شيعية في منطقة الخليج من المصير الذي لقيته جراء تآمرها على بلدانها الأصلية في كل من المملكة العربية السعودية (الشيخ النمر) والبحرين (الشيخ عيسى قاسم) والكويت (عناصر خلية العبدلي)، الأمر الذي جعل الكثيرين ممن كانوا منبهرين بسياساتها ومواقفها يراجعون أنفسهم، ويتساءلون عن حقيقة القوة التي لدى طهران لإمكانية فرض توجهاتها بالمنطقة أو على الأقل احترامها؟.

هكذا يتضح أن قوة إيران تكمن فقط  في القدرة على التشويش وزعزعة الاستقرار، وتلك سياسة مقصودة لإيهام الرأي العام الداخلي واستنفاره ضد أعداء خارجيين، معظمهم وهميون لا يوجدون سوى في مخيلة الملالي، وذلك من أجل صرف أنظاره عن واقعه الأليم.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com