إشعال السجال الفلسطيني بمحاولة تعديل المرجعيات – إرم نيوز‬‎

إشعال السجال الفلسطيني بمحاولة تعديل المرجعيات

إشعال السجال الفلسطيني بمحاولة تعديل المرجعيات

عدلي صادق

بعد إقدام وإحجام طويلين، وبعد تفكير متوتر، أقدم محمود عباس على الإعلان عن حل المجلس التشريعي الفلسطيني، بعد أن تدبر لنفسه ذريعة سماها قرار المحكمة الدستورية. ولعله في هذا الخيار، يظن أن الأبعدين والبسطاء، عندما يتلقون النبأ، سيشعرون أن الرجل وجد نفسه مضطرا إلى التخلص من حماس بهذه الطريقة. ويتوهم أن الانطباعات الشعبية الفلسطينية العامة، ترى في أدائه ما ينمّ عن الاحترام في ظل سلطاته، لقرارات المحاكم، سواء كانت ابتدائية أو استئنافية أو للنقض، فما بالنا بقرارات محكمة دستورية.

لكن الرجل أخطأ في ظنه، وفي ما يتوهم، لأن الفلسطينيين جميعا يعلمون مسبقا، أنه عندما يندفع إلى هكذا قرار سياسي، يعزز حضور حماس، ولا يضعفه، وأن ممارسته للسلطة، لا تنمّ عن احترام للقضاء، ولا علاقة لها بطبيعة عمل المحاكم من أي درجة. فهو يهدف إلى تمرير المرحلة الأولى مما يُسمى “صفقة القرن” بفصل غزة عن الضفة، وإشعال مزيد من السجال في الضفة نفسها، واهما أيضا، أنه برمي، للطرفين الأميركي والإسرائيلي، الورقة الأخيرة التي في يديه، أن تل أبيب وواشنطن ستردان له التحية بأجمل منها، مع تحية ثالثة من موسكو، التي استبق محاولتها الدخول على ملف المصالحة، بقرار يجهضها!

للحقيقة والإنصاف، كان المجلس التشريعي قد عطّل نفسه بقدر ما عطّله عباس وعطّلته إسرائيل باعتقالات النواب. فقد ساعد أعضاء المجلس على الوصول إلى لحظة الإعلان عن الحل، كلّ من موقعه وبحساباته.

هؤلاء جميعا يعلمون أن رئيس السلطة الفلسطينية قطع شوطا طويلا في إطاحة محددات الوثيقة الدستورية والدفع إلى تنفيذ قرارات غير دستورية، وصلت إلى حد منع نواب من السفر، ومنع استصدار جوازات سفر لنواب ومواطني وإنكار حقوقهم الدستورية، في جواز السفر، وأنه أهانهم من خلال التفرّد اللاّدستوري بكل شيء، في التعيين والتعديلات الوزارية وإقرار الموازنة وغير ذلك.

ولما أصبحت قراراته تطال أعضاء المجلس التشريعي أنفسهم، ظلوا يختارون عدم التصعيد، وهم أيضا يعلمون أن هدفه تعديل مرجعيات السلطة على مقاسه، مستفيداً من ضعف مؤسستهم.

وكانت المخصصات المالية لأعضاء التشريعي، السبب الأساس للرضوخ، سواء لدى النواب الذين ظلوا يُحسبون على عباس، أو الذين يُحسبون على حماس. وعندما لاح في الأفق، خطر تمرير صيغة الإحلال أو الاستبدال، لكي يتولى ما يُسمى “المجلس المركزي” وظائف المجلس التشريعي، بينما هو غير ذي صفة دستورية تتعلق بالسلطة وجهازها الحكومي؛ لم يتناد أعضاء هذا الأخير إلى انعقاد دائم، موصول بالمنابر العربية والدولية، لكي يقال للشعوب والحكومات والمؤسسات الدولية في كل يوم، إن لدنيا رئيس سلطة، ينتهك في كل يوم محددات الوثيقة الدستورية، ويتمادى في تغييب الإرادة الشعبية، وفي الإساءة لممثلي الشعب المنتخبين، الذين تسلّموا مسؤولياتهم النيابية، بعد أن تسلّم هو مسؤولياته الرئاسية بعام كامل!

في أبريل العام 2016، أعلن رئيس السلطة محمود عباس عن تشكيل محكمة دستورية. ومن اللحظة الأولى، بدت تلك المحكمة غير ذات صفة، وأنه أنشأها لمقصد واحد وهو الالتفاف على عدم إقرار الوثيقة الدستورية له أو لياسر عرفات من قبله، بصلاحية حلّ المجلس التشريعي. وكان حجب صلاحية الحلّ عن الرئيس، في الوثيقة الدستورية للعام 2003 وتعديلاتها في العام 2005 خيار نواب فتح أنفسهم!

ظهرت “محكمة عباس الدستورية” في غياب الحياة الدستورية، وها هو أحد أسباب الطعن في مشروعية قرارها. فلا قرار لمحكمة دستورية في ظل إنكار سموّ الوثيقة الدستورية نفسها، وهي الناظمة لعمل مؤسسات السلطة الفلسطينية. فمنذ أن تشكّلت هذه المحكمة، لم تبادر إلى أي ممارسة في جوهر اختصاصها، المتعلّق بالمراسيم الرئاسية، من خلال النظر في دستوريتها، ولم تعترض ولم تتصد لأيٍ من مئات القرارات أو المراسيم بقوانين، التي أصدرها عباس، وجميعها متعدية على شروط الوثيقة الدستورية ومغتصبة لصلاحيات السلطتين التشريعية والقضائية. بل إن ما جرى من التجاوزات، بات يشكّل سابقة لا مثيل لها في تاريخ علاقة القيادة الفلسطينية بشعبها، مثل اتخاذ قرارات تجويع ألوف الأسر، واعتماد الخطاب السياسي المحبط والمشبع بالدونية، على النحو الذي يتنكّر لتاريخ النضال الوطني الفلسطيني، فضلاً عن الاستحواذ على الصلاحيات المالية دون رقيب، واستغلال النفوذ وتغطية الفساد والاستيلاء على الأملاك العامة، وكلها أنواع من الجرائم التي يعاقب عليها القانون.

ولم تقم هذه المحكمة المزعومة، بأي تحليل للأحكام القضائية في زمن تفرّد عباس، ولا بإظهار الاعتراض على رفض السلطات التنفيذية الأمنية عن إنفاذ أحكام القضاء، وتلك مخالفات دستورية فادحة، لم تتصد المحكمة الدستورية المزعومة، لما يعتري التشريع الرئاسي من جنوح يعزز اتجاها استبداديا يطال مصائر المواطنين، ويضرب جوهر العدالة.

لقد ظلت صحيفة أعمال محكمة عباس، على امتداد سنتين منذ تأسيسها، تخلو من المآثر التي يمكن أن تتأسس على القانون الدستوري، باعتباره أسمى القوانين المنظمة لسلطات الدولة وحقوق الأفراد وحرياتهم، بالمعيارين الشكلي والموضوعي.

ثم إن محكمة عباس الدستورية لم تفكر في النظر في لا دستورية الانقلاب الحمساوي نفسه، أي انقضاض حكومة حماس على النظام السياسي الفلسطيني، في منتصف العام 2007 علماً بأن الانقلاب كان عملا يمزّق النسيج الاجتماعي والوحدة الوطنية، وينقلب على الدستور نفسه، ما يقتضي النظر في أمره سريعا وحسم مسألة بقاء أو عدم المجلس التشريعي التي حازت فيه حماس على الأغلبية، بحكم يشتمل على بدائل دستورية.

في إعلان عباس عن حلّ المجلس التشريعي، هناك نزعة إلى فك وإعادة تركيب النظام الفلسطيني على قاعدة التفرّد الدكتاتوري، وتقييف المرجعيات، وحلّ مؤسسة دستورية منتخبة، للمجيء بمؤسسة غير دستورية وغير منتخبة وليست لها أي صلاحيات نافذة قانونا. لذا فإنه يريد أن يؤسس لمعادلة جديدة، مطابقة للمعادلات في دول الاستبداد، التي يكون فيها الحاكم هو مانح الدستور للشعب، وهو صاحب الحق بسحبه وبحلّ المجالس المنتخبة التي تشكّلت على أساسه.

إن منظمة التحرير الفلسطينية، وأطرها، ليست ظاهرة قانونية ولا هي ظاهرة دستورية وإنما هي ظاهرة تاريخية نضالية، وهذا هو تعريفها وتعريف مثيلاتها من حركات التحرر في مراجع القانون الدستوري. وليس هناك في أدبيات منظمة التحرير ــ حتى في حال أن تكون مؤسساتها موجودة فعلا ومنتخبةــ حرف واحد يتعلّق بالحياة السياسية الدستورية في السلطة وفي القوانين الناظمة للحكم. وعليه، فلا مجال لتسويغ أي محاولة لإحالة صلاحيات “التشريعي” إلى ما يسمى “المركزي” التابع لعنوان منظمة التحرير!

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com