استنفار أيرلندي تحاشيا للأذى الاقتصادي و“الحدود القاسية“

استنفار أيرلندي تحاشيا للأذى الاقتصادي و“الحدود القاسية“

عدلي صادق

في سباق مع الزمن، تنشط الفرق الحكومية الأيرلندية، في سائر أنحاء أوروبا، وخاصة في لندن ودبلن وبروكسل، لكي يكون وقع الخروج البريطاني من الإتحاد الأوروبي أقل ضررا على بلادها. ويؤكد سيمون كوفيني، وزير الخارجية والتجارة، أن وجهة السياسة البريطانية لا تزال غامضة، على الرغم من وجود اتفاق بريطاني أوروبي على صفقة تم التوصل إليها بشق الأنفس، تتعلق بآليات الخروج من الإتحاد، وقد صادق على هذه الصفقة مجلس الوزراء البريطاني، وأيدتها 27 دولة أوروبية.

إلا أن الأيرلنديين لا يزالون يخشون الخروج البريطاني غير المنظم ويتحضرون لمواجهة احتمال كهذا، ويقول كوفيني “بصراحة، إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ستنشأ عنه تحديات كبيرة في جميع أنحاء أوروبا، لا سيما في أيرلندا، وستواجه الكتلة أو القوة الجماعية للاتحاد الأوروبي تحديات صعبة، كما سيواجه الاستقرار والتضامن اللذان يشكلان جوهر عضوية الاتحاد الأوروبي اختبارا صعبا!”.

بسبب احتمالات ما يراه الأيرلنديون احتمالات عودة غير مستحبة لأوضاع قاسية سابقة؛ ذهبوا إلى حال الطوارئ والعمل على مدار الساعة، لكي لا يُفاجأ الشعب الأيرلندي بخروج بريطاني غامض يربك الأيرلنديين في الجزيرة!

على هذا الصعيد، هناك سيناريوهان. الأول هو ما يسمى “الحالة المركزية” وقوامه اتفاق الانسحاب الذي صادق عليه البريطانيون والاتحاد الأوروبي، ويتضمن فترة انتقالية. والثاني هو سيناريو “عدم التعامل” أي الكف عن البدء بأي تدابير إلى أن تدخل التغييرات حيز التنفيذ في 30 مارس المقبل. بمعنى ألا تفعل شيئا إذا لم تكن هناك صفقة كارثة كما هو متوقع، لأن الاحتمال يظل قائما بأن تعود بريطانيا إلى طاولة المفاوضات فجأة.

الحكومة الأيرلندية، كانت حريصة وهي تتابع سيناريوهات الخروج البريطاني، على دفع أي احتمال لعودة الإجراءات الحدودية القاسية، بين أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا. فمنذ أن صوّت البريطانيون لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، سؤل رئيس الوزراء الأيرلندي ليو فارادكار عن احتمالات عودة الحدود إلى الحال السابقة القاسية، فقال “لن يحدث ذلك أبدا أبدا”!

لكن السؤال أصبح الآن، كيف يمكن تلبية هذا الوعد الذي تلقاه الأيرلنديون بارتياح، في حال غادرت بريطانيا الاتحاد الأوروبي من دون صفقة واضحة تشمل الترتيبات الضامنة لراحة جمهورية أيرلندا وشعبها، أي من دون تدبير استثنائي يتعلق بأيرلندا؟ فعندئذ لن تكون هناك فترة انتقالية أو فترة اختبار، بل لن يكون الاتحاد الأوروبي شريكا لبريطانيا في أي صفقة تجارية أو اقتصادية.

بالنسبة للحدود، هناك توجه أوروبي عام للعودة إلى تطبيق نوع من الرقابة المتنامية على الحدود بين دول الاتحاد الأوروبي، توخيا لــ”نزاهة” السوق الأوروبية، كما هو الأمر بين السويد والنرويج، وعلى حدود سويسرا مع جيرانها، في إطار فحوصات تنظيمية خاصة تتعلق بالمنتجات الغذائية، إذ تُجرى عمليات تفتيش جمركية. ومن هنا ينشأ قلق جمهورية أيرلندا، التي ستكون البلد الأوروبي الوحيد الذي له حدود برية مع بريطانيا، على الرغم من كون هذه الحدود المصطنعة قائمة داخل الحدود التاريخية لجزيرة أيرلندا.

فمن جهة، يحرص الاتحاد الأوروبي على منع المنتجات التي تدخل إلى سوقها والتي قد تكون غير آمنة أو تمثل منافسة غير عادلة. وقد شدد ميشيل بارنييه كبير المفاوضين في الاتحاد الأوروبي على هذا الأمر، قائلا “إن السوق الموحدة هي السلعة العامة الاقتصادية الرئيسية لنا، فلن نلحق الضرر بها”. ومن جهة أخرى، تجد جمهورية أيرلندا نفسها في حيرة، ولا تعرف ما الذي عليها أن تفعله لحماية السوق الأوروبية دون الإضرار بنفسها. ويتساءل الأيرلنديون “هل سيكون من المجدي، خلال فترة مؤقتة أو محدودة ألا يكون هناك تدقيق على المنتجات التي تعبر الحدود الأيرلندية؟”.

والجواب أن هذا ممكن في إطار وجوب الاستجابة للأزمات في حل القضايا العالقة، وقد نُقل عن أحد الباحثين في مركز الدراسات الأمنية في زوريخ، أن فتح المجال لتدفق البضائع على جانبي الحدود الأيرلندية البريطانية، هو الأمل الاقتصادي الوحيد بالنسبة لدبلن. لكن المخاوف من هذا الاستثناء تظل قائمة، ما يلقي ظلالا من الشك على استمرار فتح الحدود التجارية في جزيرة أيرلندا.

ويقول بعض الخبراء إذا ثبت على سبيل المثال، أن كميات كبيرة من السلع المحظورة قد تم تداولها في السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي خلال تلك الفترة بسبب الحدود الأيرلندية المفتوحة، فسيكون هناك ضغط كبير على دبلن من شركاء الاتحاد الأوروبي لإجراء عمليات تفتيش على الحدود أو بالقرب منها. لذا تعمد البريطانيون منذ العام 2017 أن يعرضوا صيغ حلول أخرى، بغية ضمان الحد الأقصى من التسهيلات، مثل فحص ما يصل إلى 8 بالمئة من الشحن عبر الحدود، ليستكمل عمليات الفحص الجمركية التي تقوم بها وحدات متنقلة.

لكن الاتحاد الأوروبي رفض تلك الصيغ. مقابل ذلك، أظهر الأيرلنديون حاجتهم إلى إحدى اثنتين لكي لا يتضرروا اقتصاديا، إما تغطية سياسية من الاتحاد الأوروبي، تتيح لجمهورية أيرلندا أن تتفق على صيغة مرضية للعلاقة مع بريطانيا، وإما أن يتعهد الاتحاد الأوروبي بتقديم مساعدات مالية لجمهورية أيرلندا. فدبلن لا تريد، بأي حال من الأحوال، إضفاء الشرعية على إعادة الحدود القاسية بين شطري الجزيرة، لذا يمكن للاتحاد الأوروبي أن يوافق سياسيا على تدبير مناسب لهذا الأمر.

الخبير الاقتصادي البريطاني أندرو ليليكو، المتحمس لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أدلى بدلوه في أمر مستقبل العلاقة بين جمهورية أيرلندا وبريطانيا، فأطلق مصطلح “حدود بحر سلتيك” ويعني به أن الحدود البرية الأيرلندية ستبقى طرية مع عدم وجود ضوابط وضوابط جديدة، لكن السلع التي تغادر جزيرة أيرلندا ستخضع لفحوصات إذا كانت ستذهب إلى الاتحاد الأوروبي.

وفي هذا السياق قال إن مثل هذه الفحوصات يجب أن تكون أقل إشكالية، على أصعدة السيادة وشروط سلامة السوق والفحوصات على البضائع التي تنتقل بين بريطانيا وأيرلندا. لكن دول الاتحاد الأوروبي ليست راغبة في خلق سابقة تكون فيها إحدى الدول الأعضاء، منخفضة الحقوق المتأسسة على عضويتها، بسبب عمل دولة ثالثة هي بريطانيا.

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com