التلويح بحل ”التشريعي“ الفلسطيني

التلويح بحل ”التشريعي“ الفلسطيني

عدلي صادق

في كلمته أثناء افتتاح مؤتمر للقطاع الخاص الفلسطيني في رام الله؛ هدد رئيس السلطة و”المنظمة” محمود عباس بحل المجلس التشريعي للسلطة، في خطوة ادعى أنه يراها خياره الأخير، للقطع مع غزة ومع حركة حماس، ما لم تسلّم الأخيرة السلطة فعليا إلى حكومته. وأغلب الظن، أن ما قاله لم يكن في أي يوم، خيارا واردا لديه، ولم يفكر فيه منذ انقلاب حماس على النظام الفلسطيني وسيطرتها على غزة، بحكم أن “القانون الأساسي” الفلسطيني الذي هو الوثيقة الدستورية؛ لا يجيز لرئيس السلطة حلّ المجلس التشريعي.

وكانت عدم الإجازة هذه، قيدا فرضه ممثلو الشعب المنتخبون في الضفة وغزة والقدس، على زعيم الفلسطينيين ياسر عرفات في أوج قوته، ومن بين أولئك مقربون الآن من رئيس السلطة محمود عباس. بالتالي لم يستطع عباس أن يبادر من جانبه إلى اختراع صلاحيات دستورية جوهرية لنفسه، والإعلان عن حل المجلس التشريعي. وحتى بعد مرور أربع سنوات على سيطرة حماس على غزة؛ لم يستطع عباس الحديث عن انتهاء ولاية المجلس التشريعي، لأن ولايته هو نفسه، أقدم من ولاية المجلس التشريعي بعام كامل!

يُفهم من هذا أن التسريبات الإعلامية عن قرب اتخاذ عباس قرارا يعطي فيه لنفسه، حق حل المجلس التشريعي؛ كانت ولا تزال سياقا للتعبير عن رغبة لديه وليس عن توجه عملي وخطوة وشيكة. وبحكم تكرار بعض الوعود والتهديدات الثقيلة، التي لم يستطع تنفيذها، أصبح المُرجح لدى الكثيرين، أن الرجل لن يقفز مثل هذه القفزة التي ستكون لها تداعيات مضنية تطاله قبل أن تطالَ غيره، لأن حل التشريعي لن يقتصر على غزة، وإنما يشمل الضفة التي لا يطالبها بالتمكين لحكومته، ولأن الحاكم الذي يعلن عن حل برلمان بلاده، يدعو في الوقت نفسه إلى إجراء انتخابات جديدة والعودة إلى الشعب، وهذا ما لا يستطيعه عباس ولا يريده.

عندما نفذت حماس انقلابها على النظام الفلسطيني وسيطرت على غزة، سنحت الفرصة لعباس لكي يحل المجلس التشريعي ويؤسس السلطة الثانية، على أسس دستورية، بدءا بالدعوة إلى انتخابات لهيئة تأسيسية، تشارك فيها غزة بالترشيح دون التصويت، وتتولى الهيئة التأسيسية مهام التشريعي وتنبثق عنها حكومة انتقالية، تمهيدا لإطلاق انتخابات عامة وإعادة الحياة الدستورية.

لقد كان ذلك متاحا على قاعدة أن الطرف الذي تقبلت السلطة الأولى الشراكة معه رغم عدم اعترافه باتفاق أوسلو وبالتسوية، وسمحت له بالمشاركة في انتخابات عامة تحت مظلة أوسلو؛ انقلب على قواعد اللعبة وعلى السلطة نفسها وعلى المظلة، وخلط بين الفوز بالحق في تشكيل حكومة، والادعاء بالحق في تشكيل سلطة وفرض منهجية جديدة، لكن عباس لم يلتقط تلك الفرصة، التي تُوفرها له ضروريات مواجهة الانقلاب، وتعمد اختيار الحكم بمنطق الطوارئ والحكومات التي امتد عمرها لأكثر من عشر سنين، ظلت فيها غير معنية بأخذ الاعتماد والمصادقة من المجلس التشريعي، وغير معنية بالخضوع للرقابة أو للمساءلة. وطوال هذه السنوات، استمرأ عباس الاستحواذ على صلاحيات المجلس التشريعي، من خلال إصدار مراسيم بقوانين من عنده، كانت في غالبيتها العظمى غير دستورية!

في إحدى التخريجات الفاقدة للمنطق، لتسويغ تجاوزات الرئاسة الفلسطينية، هي محاولة جعل المجلس المركزي الفلسطيني إطارا مرجعيا بديلا عن المجلس التشريعي للسلطة. وغياب المنطق في هذه المحاولة، أن الفلسطينيين بعد اتفاق أوسلو لإعلان المبادئ، أصبحت لهم في الداخل، وتحت مظلة أوسلو، مرجعية دستورية، أنتجتها كافة الإجراءات التي اتخذت لبناء السلطة الوطنية، وهذه ذات صفة قانونية.

أما في الخارج، فإن الشرعية التي رافقت تجربة منظمة التحرير، ظلت تسمى في القانون الدستوري، شرعية حركات التحرر المستمدة من حق الشعوب في مقاومة المستعمر، أي الشرعية الثورية حسب فقهاء القانون. وتلك ليست قانونية وإنما ذات صبغة سياسية وتاريخية. لذا ليس من المنطق، جعل إطار وسيط وغير منتخب، من منظمة التحرير، هو من تفريعات شرعية الكفاح الوطني، مرجعا لسلطة قد تحددت لها مرجعيتها الدستورية بصفتها القانونية. فلا يمكن لإطار وسيط بين برلمان منظمة التحرير واللجنة التنفيذية للمنظمة، أن يصبح مؤسسة رقابة وتشريعية للسلطة الوطنية!

ومن نافل القول، أن عباس، عندما رفض اهتبال الفرصة التي أتيحت لتأسيس السلطة الثانية على أسس دستورية، بعد انقلاب حماس، رأى- للأسف- فرصته للتفرد والاستحواذ على السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية. وليته فعل ذلك واستفاد منه بمنطق دكتاتور وطني يتسم بالغيرة على المصالح العليا لشعبه. لقد بدأ في تجريف كل الأطر من السياسة، ومن الحد الأدنى من الحوار ومن هوامش المبادرة، وفعل ذلك في حزب السلطة، وهو حركة فتح، التي تعمد تقليص دورها وإقصاء الكادرات الوازنة فيها.

اليوم هو يريد القطع مع غزة ومع حماس. ولوحظ أن ارتفاع وتيرة خصومته لحماس، ظهر عندما استطاعت حماس تأسيس علاقة إيجابية مع مصر، ومع التيار الإصلاحي في حركة فتح، ما أثار حفيظة قيادات جماعة “الإخوان” في الإقليم. فهؤلاء أرادوا أن تشكّل حماس كابوسا أمنيا لمصر، حتى ولو أدى ذلك لتحويل غزة إلى منطقة منكوبة تحت الحصار الخانق، لكن القيادات الحمساوية الشابة في غزة، تحسست خطورة ذلك على أهلها ومجتمعها في غزة، وتنبهت إلى حقائق التاريخ والجغرافيا التي تريدهم قيادة “الجماعة” أن يقفزوا عنها.

وبحكم علاقة عباس الشخصية بالقطريين، وهي علاقات مسكوت عن تفصيلاتها، أناطت الدوحة المهمة لعباس لإفشال المصالحة، من خلال اشتراط تسليم سلاح الدفاع عن النفس في حال الاجتياح والعربدة الإسرائيلية مثلما حدث في رام الله الاثنين. وبدا واضحا أن المصالحة التي يريدها عباس، هي التي تضع تحت قبضته الأمنية والقبضة الإسرائيلية، الفتحاويين والحمساويين معا. وطبيعي أن يفشل هذا المسعى وأن يتسبب الفشل في حيرة عميقة لرئيس السلطة، تدفعه إلى التهديد والوعيد، والتلميح إلى خطوات وشيكة تزيد مأزقه عمقا.

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com