بين الشرق والغرب

بين الشرق والغرب

عبد الله ناصر العتيبي

الشيخ عبدالله بن زايد قال في مقابلة مع محطة «فوكس نيوز» إن الغرب «ما زال داخل غرف زجاجية، ويعتقد أن منظوره لما يجري في المنطقة هو الصواب».

التصريح شديد الأهمية الذي نقلته «هتلان بوست» عن «فوكس نيوز»، مرّ أمام عيني مذيع المحطة بريت باير من غير أن يستوقفه ليسأل عن مزيد من التفاصيل حول حالة الجهل المعرفي والثقافي والاتصالي هذه، التي تسم العلاقة العربية – الغربية أو العلاقة الإسلامية المعاصرة – بالمسيحية المعاصرة.

إن مثل هذه القضية تحديداً تحتاج وحدها إلى عقد ندوات ومؤتمرات شرقية وغربية؛ لبناء جسر من التفاهم المبني على فهم طبيعة الآخر.

السياسي الغربي ينظر دائماً إلى المنطقة بنظرة نابعة من إرثه الثقافي، فالحكام العرب بالنسبة إليه كلهم مغتصبو سلطة. من يعمل في حقل الديبلوماسية الغربية ليست لديه القدرة على التفريق ما بين الانقلابي الديكتاتوري الذي جاء للسلطة طمعاً في تسهيلاتها، ورغبةً لا منضبطة في استخدام نفوذها، وبين الحاكم الذي وجد نفسه في حضن السلطة؛ بسبب اتفاق تاريخي غير مكتوب ما بين الشعب والنخبة الحاكمة. يظن السياسيون الغربيون أن عليهم -دائماً- أن يقنعوا أنفسهم كذباً بشرعية من سيلتقونه، قبل أن يبدأوا معه جولة محادثات في أي مسألة مشتركة، ثم يتحولون عن هذا الاقتناع بمجرد العودة مرة أخرى إلى دوائرهم الخاصة لتحليل المحادثات، للخروج بنتيجة تحكم العلاقة ما بين الطرفين.

وتبعاً لهذا الارتباك غير القابل للحل في الرؤية الغربية للطبقة الحاكمة العربية، تشكلت طوال العقود القليلة الماضية تصورات ورؤى غير حقيقية تحكم علاقة الغرب والشرق، أسهمت بشكل مباشر وغير مباشر في خلق أزمات عصية على الحل.

الشعوب الغربية من جهتها لديها العقدة نفسها، وتفتقر إلى الحل ذاته. فالمجموع الغربي الذي يمثل قاعدة الدولة المنتجة للنخب الحاكمة ما بين الدورة الانتخابية والتي تليها، غير قادر على فهم مسألة الحقوق والواجبات للمواطن في المنطقة العربية. الغربيون يعرفون أن القانون هو من يحمي ظهورهم، والواجبات هي من تبقيهم مواطنين صالحين في مجتمعاتهم، والحقوق هي خيط الولاء الرئيس الذي يربطهم بأوطانهم. الوطن بالنسبة إلى المواطن الغربي هو الرعاية الجيدة له ولأبنائه، وهو التعليم الجيد له ولأبنائه وهو الأمن لأسرته.

المواطن الغربي غير قادر على فهم الولاءات الداخلية في المجتمعات العربية، وكيف تمثل هذه الولاءات في كثير من الأحيان: القانون والواجبات والحقوق مجتمعة، غير قادر على فرز يومياته التي يعيشها في المجتمعات المدنية، وتصوراته عن يوميات الآخرين الذين يعيشون في مجتمعات تستبدل المدنية بالقبيلة والطائفة.

الشعوب الغربية خلال العقود الستة الماضية هو التي تقرر من يحكمها في دورات انتخابية متعاقبة، بينما يبقى الشعب العربي خاضعاً من غير رغبته وخياره، بحسب المفهوم الغربي، لسلسلة من الحكام الذين لا يؤمنون بتدخل المواطن العادي في صنع مستقبل البلد الذي يعيش فيه، وهو بهذا التصور العقلي (أي الشعب العربي) يظل في المخيلة الغربية رمزاً للاضطهاد والعبودية.

وسائل الإعلام الغربية بدورها تسهم في الخلط الثقافي والمعرفي، فعلى رغم حياديتها في نقل الخبر نفسه، إلا أنها في التعليق عليه تضيف له تفسيرات غير موجودة في الأصل. فكل خبر ينقل عن المنطقة العربية لا بد من خضوعه لمسطرة النقد ذات المرجع الغربي والمسيحي. عملية قطع يد السارق مثلاً المقبولة عرفاً وديناً في المجتمعات العربية والإسلامية ليست سوى اعتداء بربري على الذات الإنسانية.

الغرب في مجموعه العام لا يستطيع أن يتصور الفرق بين الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، رحمه الله، وبين العقيد معمر القذافي. هو غير قادر على فرز الرضا التاريخي والعقد الاجتماعي الخاص بشعوب مجلس التعاون الخليجي عن حال السخط والغضب الموجودة في بلد أحد الديكتاتوريين العرب. الغرب يؤمن أن الديموقراطية هي الخلاص لشعوب العالم كافة، وأنها واجبة التطبيق في التو واللحظة، لكنه لا يستطيع أن يتصور أن الديموقراطية المفاجئة قد تحمل بذور الفناء السريع. الشيخ عبدالله تحدث في لقائه عن المشكلة، وأتمنى عليه أن يتبنى الحل.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎