مجتمع الخير ودولة المواطنة

مجتمع الخير ودولة المواطنة

رضوان السيد

نحتفل في كل عام مع دولة الإمارات العربية المتحدة بقيام الدولة الاتحادية عام 1971، دولة المواطنة والحكم الصالح. أمّا هذا العام فهناك مناسبتان: مئوية الأب المؤسس الشيخ زايد، وذكرى إقامة هذا الإنجاز (الاتحاد).

في مؤتمر صحيفة «الاتحاد» قبل شهر، ألقيتُ محاضرةً عن تأسيس الدولة الاتحادية وظروفه. وبتتبُّع الوقائع والاتصالات بين عامي 1968 و1971 تبين لي أنّ ذك التأسيس يكاد يكون إنجازاً للشيخ زايد، رحمه الله، بمفرده. فهو منذ تولى إمارة أبو ظبي عام 1966 كان يفكر بالمستقبل، ليس مستقبل أبوظبي وحدها، بل ومستقبل منطقة الخليج كلها تقريباً. وبالطبع كانت هناك همساتٌ في بريطانيا عن إمكانية انسحابها، لكنّ القريبين والبعيدين في الجزيرة وإيران ما كانوا يريدون تجرُّع هذه الكأس المرة. من جانب «الإمارات المتصالحة» بسبب ما كانت تحسه من ضعف، ومن جانب إيران بسبب ما كانت تحسه من استقواء، ومن جانب أطرافٍ أُخرى بسبب همِّ التبعية الجديدة التي يكون عليهم السقوط فيها. وصحيح أنّ الاتحاد كان هماً وأملاً لدى أهل الخليج، لكنه كان مخاوف وهواجس لدى القوى الأخرى المختلفة. أما الشيخ زايد، العارف بالانسحاب قبل الإعلان عنه عام 1968، فانصرف وبدون تردد للتفاوض مع سائر الأطراف القريبة والبعيدة على إقامة الدولة الاتحادية. فأنجز بسرعة الاتفاق مع دبي، وطالت المفاوضات بعض الشيء مع الإمارات الأُخرى. لكنّ أكثر ما أتعبه طوال أكثر من عامين مفاوضة قطر والبحرين. ثم تسهّلت أكثر المصاعب بالداخل بعد إعراض الطرفين، وتركّز الهمُّ لدى زايد على إقناع الأطراف العربية بالجزيرة وخارجها بفائدة الاتحاد للعرب ولمنطقة الخليج. ثم إقناع البريطانيين والأميركيين بالتأثير على الشاه حتى لا يستقوي على إمارات الاتحاد الذي دنا تكوينه، وبخاصةٍ أنّ السوفييت كانوا يشجعون الحركات الثورية بعُمان وبالبحرين واليمن، وحتى بالكويت! قال الشيخ زايد: إذا كنتَ تريد اتحاداً ولو بين أشقاء، ينبغي أن تكونَ لديك القدرة على حمايته. والحماية صنفان: الحماية من الداخل وهي الأساس، والحماية من أطماع الخارج، وهي تحتاج إلى جهود ليس في المحيط والعالم فقط، بل وفي الداخل أيضاً. وما دامت ثلاثة أرباع التحديات بحسب تقديره كانت داخلية، فإنه انصرف ومنذ ما قبل عام 1971 إلى اجتراح تجربةٍ تنمويةٍ شاملة في أبوظبي، ولدى سائر الأشقاء الذين قبلوا، لأنه أدرك أنّ وحدة المصالح ووحدة السوق، أمران كفيلان بالتلاؤم مع الوعي المتنامي وقتها بضرورة الوحدة العربية. فكل الوحدات التي قامت وفشلت لدى العرب وغيرهم، يعود فشلها ليس إلى التدخل الخارجي بالضرورة، بل لشعور كثرةٍ في الدواخل بالتناقض في المصالح بين النواحي والأقطار، أو التبعيات بين الأجزاء لأسواقٍ أُخرى وولاءات أُخرى. لذلك، وبقدرات أبوظبي تحققت خلال أقل من عشر سنوات نهضةٌ تنمويةٌ هائلة، شملت البنى التحتية، والقطاعات التعليمية والصحية والشُرَطية. وهي نهضةٌ صارت في تسعينيات القرن الماضي مضرب الأمثال وما تزال.

ومنذ أيام الشيخ زايد وإلى الآن فإنّ العدالة الاقتصادية والسياسية متحققتان وتتناميان. بيد أنّ طموح الشيخ زايد، والآفاق التي ازدادت انفتاحاً في زمن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد، وأجيال المشاركين والمشاركات في القرار، كلا الأمرين في الاستمرارية بين السابق واللاحق، دفعا باتجاه دولة الخير بعد ثبات توجُّه مجتمع الخير، بحيث التقيا في وزارة التسامح ووزارة السعادة ووزارة الثقافة ومؤسسات ومشروعات ونشاطات مختلفة. بل يمكن القول إنّ استواء نظام المواطنة والحكم الصالح، دفع باتجاه الآفاق الأعلى، التي لا تظهر بالداخل فقط، بل وفي سياسات الدولة التنموية والخيرية تجاه الخارج العربي والإسلامي والعالمي، وفي المؤسسات الدولية.

ذكرى الشيخ زايد ذكرى نضالٍ ونجاح. ونموذج دولة الإمارات نموذج طموحٍ ونجاح. فرحم الله الأب المؤسِّس، والتهنئة لشعب الدولة وقيادتها.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة