في وداع الصحراء

في وداع الصحراء

زياد الدريس

استأثر مقطع الجِمال التي تهرول وسط السيول في إحدى صحاري نجد بوسط المملكة العربية السعودية، باهتمام كبير في قنوات التواصل الاجتماعي، بل ومن لدن فضائيات عربية وعالمية.

لماذا حظي المقطع الجميل بذلك الاهتمام؟ هل مردّ ذلك أسباب فنية أم ثقافية أم اقتصادية؟

الحقيقة أنه رغم تضافر تلك الأسباب في توسيع تداول المقطع إلا أن الأسباب المناخية هي (مربط الجَمَل) في رواجه أولاً.

هل كان سيحظى الفيديو بالاهتمام الكبير لو أن بطل الفيلم هو حيوان آخر غير الجمل، أو لو أن الشريك في البطولة مع الجمل هو الشمس والغبار وليس الغيم والمطر؟

ما لا شك فيه أن الفيلم القصير قد اكتسح (شبّاك) المشاهدة بسبب وجود بطلين لا يلتقيان عادةً في فيلم مشترك، هما الجمل والمطر.

وكنت قد كتبت قبل عامين في هذا المكان مقالاً (في وداع الجمل العربيي، ٢ فبراير ٢٠١٦) تناولت فيه التحولات المناخية التي تمثلت بشكل أساس في تزايد هطول الأمطار على صحاري الجزيرة العربية وما جاورها.

لم أكن أخمّن حين كتبت مقالي السابق أن الأمور ستتسارع خلال عامين بهذه الدرجة التي نرقبها الآن؛ بدء تشكّل بحيرات وسط الصحارى، ومعاودة جريان أودية جفّت وتوقفت عن الجريان منذ سنين طويلة، وهي التي كانت أنهار الجزيرة العربية قبل عشرة آلاف سنة.

وسأستعيد من مقالي السابق بعض مقاطعه التي أصبحت الآن أكثر أهمية.

تنقل «ويكيبيديا» عن أن: «التراجع الجليدي الأخير بدأ منذ أقل من 20 ألف سنة. ويتوقع معظم العلماء أن فترات ثلجية ستحدث مرة أخرى، حيث يعتقدون بوجود تغيرات منتظمة في مدار الأرض حول الشمس وفي زاوية ميلها، وقد يتسبب هذا في برودة تزيد من تشكيل كتل جليدية».

ونقلت قناة «العربية» عن عالم روسي، يعمل في مرصد بولكوفسكايا، ما أعلنه في مؤتمر بشيكاغو في عام 2010، عن قرب بدء العصر الجليدي الجديد. وبأن عام 2014 تقريبا سيشهد بداية ظواهر العصر الجليدي بحدوث اضطرابات شديدة في مناخ الأرض في هذه الفترة.

”في أحد لقاءات اليونيسكو، كان بجواري السفير الهولندي لدى المنظمة. سألني: هل صحيح ما يقال عن البرد الشديد في بلادكم؟! قلت له نعم، برد وجليد. توقّفَ عن سؤال البرد والتفتَ إلى سؤال الجليد: هل ينزل في (صحراء) الجزيرة العربية جليد؟! قلت له: كان لا ينزل، أما الآن فنزل وجعل الصحراء الصفراء بيضاء! ثم أريته من جهازي المحمول بعض الصور من الصحراء الجليدية، وفيها بيوت الشَّعر البيضاء والنخل المتلفع بالبياض والجَمل «الأبيض»!

تعجّب صديقي الأوروبي من الصور، ثم قام فوراً باستعراض صور من جواله عن قرية جبلية في سويسرا قال إنه تعوّد منذ الصغر أن يُمضي إجازة «الكريسماس» في التزلج على جبالها، لكنه حين ذهب إليها الشهر الماضي وجدها ممحلة سوداء خالية من البياض إلا في أعاليها.

استأثرتْ صورة الجمل، المكسو بالبياض في وسط صحراء بيضاء ممتدة، بالاهتمام الأكبر من لدن السفير الأوروبي. قال: أشعر بالقلق على هذا الجمل، كيف سيتأقلم؟!

خففت من قلقه بقولي له أن المسألة مسألة وقت فقط، وقد تركنا لصديقنا الجمل أن يقرر، إما أن يتأقلم مع أجوائنا ومناخاتنا الجديدة، أو يهاجر إلى (صحراء سويسرا)!

ولكن، قبل أن يغادرنا الجمل العزيز سنقيم له حفل توديع وتكريم لقاء الجهود والخدمات التي قدمها لنا طيلة عمله معنا خلال الأربعة آلاف سنة الماضية.

قد تبدو هذه الهواجس من الفانتازيا أيضاً، لكن الواقع أن التغيرات المناخية التي يحذّر منها العلماء منذ سنوات قليلة، تحصل بأسرع … مما يتوقعون ومما نأمل!

في هذا السياق، يصبح من الملائم جداً التأمل في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال، قبل 1400 سنة: «لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً».

نبوءة سبقت القمم المناخية!

الحياة

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com