لماذا انتحرت زينب مهدي؟

لماذا انتحرت زينب مهدي؟

جمال القيسي

مساء الخميس الماضي، رحلت إحدى أيقونات ثورة 25 يناير. انتحرت الناشطة المصرية، الشابة الصغيرة، زينب مهدي، بعد يأسها من تردي الأحوال في مصر، فعانت كآبة حادة. وهذا متوقع ووقع لكثرة لا تحصى. لكنه من المؤسف والمحزن جدا، أن صديقات زينب ذكرن أن أحد أقوى أسباب كآبتها كان ”تكفير“ الناس لها لأنها خلعت الحجاب!

ورغم أن الانتحار، هنا، هو فعل احتجاج، ورفض بصوت صارخ؛ إلا أنه من المحبط جدا، أن يخرجك الناس بعضهم بعضا من ملة إلى أخرى، وبسهولة بالغة، بسبب سلوك اجتماعي متعلق بالحرية الشخصية المحضة، وهو سلوك لم يؤذ أولئك ”المؤمنين“ مطلقا، إضافة إلى أن الحجاب وتفاصيله، وشكله، وحتى لونه، أمر مختلف عليه منذ 1400 سنة، وفيه أخذ ورد، ولكن ومع المَثَل الشعبي: (ملاحقة ”الكفار“ إلى باب الدار!) فإن زينب. صغيرتنا.. لم تكفر؛ رغم أن حرية الكفر/ والإيمان حق طبيعي للبشر، بنص الآية الكريمة: ”وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ..“

ولكن الأمور تذهب بعيدا ثم تعود، كي تثبت أن من يتولون تكفير الناس هم كارثة اليوم، والنار التي نكتوي بها، ولا ندري إلى أين سيصل أوراها، بعد زعم/ إعلان داعش تمدده في 5 دول عربية، وكذلك مبايعته من عدة تنظيمات وقبوله البيعة!

في غضون ذلك، يتوقع قارعو طبول الحرب ومنظروها مرور ثلاثين عاماً لقتال ”داعش“، ويفتحون فاتورة مليئة بالأرقام والمليارات التي تكفي لحل مشاكل البشر المرضى والجوعى والأميين والعراة واللاجئين ومتوالياتهم، والأهم من ذلك التنمية في التعليم والمعرفة.

إزاء هذا كله، كان يتوجب التفكير بجانب مهم ومفصلي في الشأن العربي والعمل على رصد الميزانيات المحترمة في تنمية حس الاعتدال الديني، وتوجيه العقول نحو السلام والمؤاخاة، والذي يبدأ من المناهج الدراسية، ومنذ مرحلة الحضانة، وحتى آخر الدرجات العلمية! وهو الأمر الذي يخرجنا من العقلية الاقتتالية والفكر الظلامي الذي جرنا إلى ما نحن فيه. وكان الأجدى منذ عقود التنبه إلى أس الداء واستشراء الدموية والاستعداد لها الكامن في تفكيرنا، مع شديد الأسف.

ولنذهب بعيدا، خلاف ما يقال:( دعنا لا نذهب بعيدا)؛ فمن الغريب أن يستغرب العرب؛ وحتى بعض ”المحسوبين“ على فئة المثقفين، أن العرب يقتتلون في سوريا والعراق واليمن وليبيا ومصر؛ ذلك أن العرب تناحروا، مثلا، 100 عام بسبب ناقة فاشتعلت حرب البسوس، وأتخموا الفضاء شعرا وفخارا بتلك الدموية. كما ظل العرب غزاة يغيرون على قوافل التجارة في رحلات الشتاء والصيف. لا بل لم يهذب الإسلام نزعة الاحتراب في ذواتهم؛ فاقتتلوا، بكل ”إيمان“، فكانت موقعتا الجمل وصفين (سنة 656 و657) التي جندلت مئات الصحابة. ثم وهو ما ينساه كثيرون، أو على الأصح لم يقرأوه، أن العرب كانوا وقودا رخيصا للحرب العالمية الأولى (1914_1918) حيث قاتل المغاربة والجزائريون، ضمن الجيش الفرنسي؛ قاتلوا أهل الشام والعراق المنضوين تحت لواء الدولة العثمانية. وسقط من الجانبين عشرات الآلاف، وأكثر من الضحايا الغربيين، لأن القيادات العسكرية كانت تضع الجنود العرب في الخطوط الأمامية، في جبهات القتال، وذلك حسب مؤرخين فرنسيين!

لا تصح المقارنة، هنا بالحروب الطاحنة في أوروبا، لاختلاف الظروف كثيرا، ويكفيها اختلاف أنها انتهت!واتحدت أوروبا ذات اللغات المختلفة الأصول المختلفة و.. و.. و.. كل هذا الاختلاف تم تجاوزه، ونسيت الحروب.

ليس جلدا للذات، لأن الذات مجلودة ألف جلدة، بذنوب كثيرة، وآثام لا تغتفر، فقد كان من الطبيعي، أن نحلم مثل باقي الشعوب بالعيش الكريم، والعدالة الاجتماعية، والتغيير، لكننا حتى لم نحلم.

التكفير هو التيار الجارف، وليس داعش المعلن هو الذي ”كفّر“ زينب مهدي ودفعها إلى الانتحار، بل داعش الملثم، الذي يقيم بين ظهرانينا!

بهذه العبارة نعى زينبَ، الناشطون والناشطات من أصدقائها، على فيسبوك وتويتر:

(رحلت زينب.. رحلت صغيرتنا)!

*الروية العُمانية

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com