الحذر من الكمين التاريخي القادم

الحذر من الكمين التاريخي القادم

قاسم عبدالرب العفيف

عجبًا لهؤلاء (حلفاء صالح بالحكم.. الإسلاميين) عندما بدأت الإجراءات الوحدوية بين الجنوب والشمال، وعند توقيع اتفاقية الوحدة بإحالة الدستور لخطوات تنفيذية، جاهر بعضهم في النقاشات الجانبية مع بعض قيادات الجنوب القادمين إلى صنعاء بأن الوحدة تمت في الوقت الغلط، بما معناه أنهم كانوا على وشك إسقاط نظام علي عبدالله صالح، وأن ذلك الإجراء الوحدوي يعد إنقاذًا له، ولما شعروا بجدية الإجراءات شنوا حملة شرسة ضد الوحدة التي وصموها بالكفر والإلحاد، واعتلوا منابر المساجد لتهييج العامة، وجابوا معسكرات الجيش الشمالي للتحريض ضد الوحدة، ونشروا بين قبائلهم الذعر من الوحدة مع الجنوب (العلماني الكافر)، وأنزلوا الأشرطة التسجيلية لتحذير الناس من خطر التوحد مع (الملحدين الكفرة الجنوبيين ودستورهم العلماني) وقالوا في الوحدة ما لم يسبقهم إليه أحد من العالمين، بل قاموا بالتحريض ضد من يقول نعم للوحدة.

وفجأة تجدهم وقد غيّروا الموجة إلى اتجاه معاكس تمامًا، حيث أصبحت الوحدة بالنسبة لهم شيئًا مقدسًا، وأي مساس فيها يعد خروجًا عن الإسلام، ويتهم من يرفض الظلم باسم الوحدة والتي أصبحت ضمًا وإلحاقًا لشعب بأكمله، وأصبحت أرضًا شاسعة فيدًا لهم وللمتنفذين في صنعاء بأنه خارج عن الدين الإسلامي، وأن الوحدة ركن أصيل من أركان الإسلام، بل كانت الاتهامات تذهب بعيدًا ليتم تخوين الجنوبيين ووصهم بالعمالة والانفصاليين، وغير ذلك من التهم التي لم ينزل بها من سلطان.. كان ذلك بعد أن طلب منهم الرئيس السابق علي عبدالله صالح تشكيل حزبهم ليكون رديفًا للمؤتمر لكي يعارض الشيء الذي لم يستطع هو معارضته، لأنه ملتزم باتفاقيات مع الجنوبيين، وهذا ما ورد في مذكرات رئيس التجمع اليمني للإصلاح، ويعني ذلك أن المركز المقدس اتفق على إقصاء شريك الوحدة أي إقصاء الجنوب، وبالتالي الانفراد بالسلطة والاستحواذ على الثروة فيما بينهم، وتم تنفيذ الاغتيالات للقيادات الجنوبية وتوج ذلك بشن حرب شاملة على الجنوب في 94 م بتحالف الرئيس السابق صالح وحزب الإصلاح (إخوان اليمن) تحت شعار الوحدة أو الموت، وتكرر غزو الجنوب مرة أخرى في مارس 2015م لكن بتحالف جديد بين الرئيس السابق صالح كقاسم مشترك مع من يسمون أنفسهم ”أنصار الله“ لمحاربة الدواعش.

   هل يعرف العالم أن شعار (الوحدة أو الموت) يعني أن يظل الجنوب بقرة حلوبًا يجنون منها المليارات من الدولارات التي ظهرت مكدسة في البنوك العالمية، وعلى شكل عقارات، ومصانع، ومزارع ،وشركات استثمارية متعددة الأغراض؟ هل يمكن لأحد أن يسأل كيف هبطت هذه المليارات على هؤلاء الذين حتى وقت قريب من الوحدة كانوا لا يملكون غير رواتبهم؟ إنها من ثروات الجنوب، من حقول النفط والغاز، والأسماك، والموانئ، والأراضي، والمصانع، وعقارات الدولة الجنوبية التي تم الاستيلاء عليها بعد حرب العام 1994. هل يعرف العالم أنه لا أحد في اليمن  يعرف كم الإنتاج اليومي من النفط، وهل يعرف العالم صفقة الغاز التي فاحت رائحة الفساد منها على المستوى العالمي وغيرها من عمليات صرف تراخيص لشركات أسماك عالمية يتم من خلالها العبث بالثروة السمكية، وتجريف مراعي الأسماك دون مراعاة لشروط الاصطياد مقابل استلام المعلوم من تلك الشركات؟ ولهذا لو قمنا بعملية حسابية بسيطة عما يتقاضونه من رواتب وعلاوات فإنه بالكاد يستطيع الواحد منهم بناء منزل شخصي متواضع، لكن أن يمتلك الشخص مليارات من الدولارات فإنه لابد أن يخضع للمسألة، لأنها لن تهبط فجأة من السماء، وهذا هو مضمون شعار (الوحدة أو الموت).

 لن يكرر الجنوب غلطته في الوقوع في الأخطاء مرة أخرى لكي يقع في الكمين التاريخي تحت أية مسميات، أو شعارات، أو قرارات أخرى، والمثل يقول لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، وكل التضحيات التي قدمها الجنوب هي من أجل استعادة حريته وكرامته ودولته المسلوبة، وليس غير ذلك، وهو على استعداد لأن يصنع تعاونًا وثيقًا مع جيرانه ومن ضمنهم إخوتنا في الجمهورية العربية اليمنية على المصالح المشتركة، وحفظ الأمن، والاستقرار، والتنمية في الإقليم والعالم، وفي نفس الوقت يحفظ تعاقداته مع العالم الخارجي، ومشاركته في محاربة الإرهاب.

  من يضمن بأن القوى الشمالية سواء أكانت شرعية أم انقلابية أم بين بين، لم تصطف بالمفاوضات القادمة في خندق واحد والتأثير على مجرى المفاوضات نحو الاتفاق لتقاسم جديد فيما بينها للسلطة والثروة؟

    وملامح ذلك الاصطفاف ظهرت بكل وضوح أثناء سير العمليات العسكرية، حيث كانت جبهات الشمال تراوح مكانها ولم تتزحزح لسنوات وشهور، بينما الجبهات التي كانت تحت إدارة جنوبية حققت نجاحات وانتصارات كبيرة، والملمح الثاني تعامل الشرعية مع المحافظات الجنوبية المحررة، وسوء الإدارة، وحجب الخدمات والمرتبات، وزعزعة الأمن والاستقرار، وإشاعة المجاعة، وفي نفس الوقت تصريح بعض وزراء الشرعية جهارًا نهارًا بأن هناك تعمدًا لعدم تطبيع الحياة في المحافظات الجنوبية حتى لا تقوى فيها التوجهات الاستقلالية.

من يضمن للجنوب حقه في استعادة حريته وتقرير مصيره بعيدًا عن التهديد وفرض الوحدة بالقوة؟

 كان أمل الجنوب بتبني هدف الوحدة كشعار إستراتيجي هو نحو تظافر جهود الدولتين الجنوبية والشمالية لتنمية المجتمع وترقيته، وبناء دولة حديثة لكل مواطنيها يسودها العدل والمساواة، وتكافؤ الفرص، وأن تكون دولة الرعاية لمواطنيها في تقديم مجانية التعليم والصحة لكي يصبح ذلك في متناول الجميع، وأيضًا يسودها الأمن والاستقرار، وتعزيز العلاقة مع الجيران لما يخدم المصالح المشتركة، لكن ما حدث أن الشريك الشمالي كان قد أعد كمينًا تاريخيًا لجلب الجنوب إلى باب اليمن، ليتم بعدها اختطاف الوحدة، وفشلت الوحدة، وأصبح من المستحيل ترميمها من الداخل.

 ومن الملاحظ أن المجتمع الدولي لم يعطِ للأزمة اليمنية الجدية الكافية ، وهناك قرارات صدرت عن مجلس الأمن تُلزم الدول التعاطي معها بإيجابية، لكن بعض الدول ترسل إشارات ورسائل خاطئة مما يزيد من استمرارية الأزمة فتزداد اشتعالًا. والسؤال: هل الدول الأجنبية لا تعرف ماهية الأزمة ولاعبيها المحليين والإقليميين؟ أعتقد أنها تعرف ذلك كما تعرف الخطورة إذا استمر الوضع هكذا من تهديد للأمن والسلم للإقليم والعالم.

  الجنوب قدم ما عنده وزيادة بكبح جماح الانقلابيين، وكسر شوكة إيران، كما صنع بتضحيات أبنائه نصرًا مكّن الشرعية من استثماره، وبالمقابل نجد جحودًا وإنكارًا مفضوحين من قبلها لتضحيات شهداء الجنوب، بل تقوم بتصنيف مقاومة الجنوب بالميليشيات الخارجة عن القانون، وتتعامل باستخفاف مع قضية الجنوب، وهذا بحد ذاته سيؤدي إلى عواقب وخيمة، وسيؤثر سلبًا على المنطقة بكاملها إن لم يقم التحالف بتلافي ذلك، ووضع قضية الجنوب في صدارة أية مفاوضات قادمة كاستحقاق وطني غير قابل للتصرف أو الإنكار.

  لقد أصبح الجنوب على مفترق طرق، وعليه أخذ الوضع الراهن بجدية كاملة، وأمامه خياران لا ثالث لهما، إما أن يتوحد تحت حامل سياسي واحد يمثل الجنوب لتحقيق هدف واحد هو استعادة الدولة الجنوبية من خلال فك الارتباط مع الشمال، أو أن يظل تتنازعه الأهواء الذاتية، ويظل يمزق نفسه إلى كيانات ومسميات متعددة تخدم في الأخير أعداء الجنوب.

لقد أصبح توافق الجنوبيين حاجة ملحة للأمن القومي الخليجي والعربي أمام نوائب العصر الراهن، ووجود دولة جنوبية يمثل ضمانًا لهذا الأمن، ودروس التاريخ القريب تؤكد أن الأمن القومي الخليجي والعربي كان مصانًا منذ استقلال الجنوب حتى توحيد اليمن العام 1990، ولم يتعرض للاختراق، أو القرصنة، أو التهديد، حيث كانت قوافل التجارة العالمية تسير في بحر العرب وباب المندب بأمان، وكانت أراضي الجنوب مؤمَّنة، ولم تكن مرتعًا للإرهاب كما أصبحت بعد الوحدة اليمنية، حيث تم زرعها من قبل نظام صنعاء لغرض في نفوس اليعقوبيين.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com