اتَّقِ شر مَن لا تعرفه

اتَّقِ شر مَن لا تعرفه

خالد القشطيني

كان من المعتاد للمرحوم سامي خنده، أبو سرمد، أن يزور لندن كل صيف. فنلتفّ حوله لنستمع لذكرياته عن الحركة الوطنية وما كتبه من مقالات ضد الإنجليز. كانت له أيضاً تعليقاته اللاذعة. كنا معاً ذات يوم عندما أعلن الراديو أن صدام حسين أصبح رئيساً للعراق. فهز رأسه وقال: «يا سبحان الله. في أيامنا كان شخصيات الدولة يحملون أسماء مثل قصي وزهير وقحطان وعدنان… في هذه الأيام ما أصبحنا نسمع على راسنا غير صدام وحردان ومردان وزربان»!

فاتت أيام وجاءت أيام وإذا بكل فرد في العراق عليه أن يزيّن بيته بصورة صدام. لكن الأستاذ سامي امتنع عن ذلك. وسمعت المخابرات (بالطبع) أن بيت سامي خنده لا يحمل صورة لصدام حسين. فسمع الطرقة على الباب: «يا أستاذ سمعنا أنك ما معلق صورة للرئيس الله يحفظه». فاعتذر قائلاً: «يا أولادي أنا يعزّ عليّ أن أعلق صورة رخيصة للرئيس يحفظه الله للعراق. إذا أعلق لازم تكون صورة محترمة وفي إطار محترم. وأنا رجل متقاعد بالكاد أعيّش عائلتي». قبلوا منه ذلك الاعتذار برحابة صدر. وفي اليوم التالي عادوا إليه ومعهم صورة محترمة وفي إطار محترم فاخر. روى لنا الحكاية ثم قال: «كسبت منهم إطاراً ثميناً وزجاجة كبيرة. أشعر أني بكلمتين كسبت شعرة من جلد كلب»!

ومرت الأيام وخرجنا معه كعادتنا به إلى المقهى المطلّ على نهر التيمز. وكان معنا مهندس شاب وصل إلى لندن مؤخراً. جلسنا نتسامر ونستمع بلهف إلى حكايات عمنا أبو سرمد. ولكن الغريب أنه انطلق هذه المرة ليروي لنا حكايات من حياته أبعد ما تكون عن شخصيته. راح يروي للسامعين حكاياته عن مغامراته الغرامية عندما كان مفتشاً في وزارة الداخلية، وكيف أنه في مدينة الحلة أغرى امرأة من بائعات القشطة كان يصب عليها قنينة كاملة من العطور كلما جاءته، وكيف أنه في مدينة العمارة صادق معلمة شابة لعدة سنوات جعلته يفتش هذه المدينة عشر أو عشرين مرة في السنة. ثم انتقل إلى مغامراته اللندنية وفنادق لندن، وهلمجرا…

جلست أستمع لهذه الحكايات وأنا مشدوه الخاطر. لقد كنت أعرف أن هذه الحكايات لا صحة لها وأستاذنا أبو سرمد أبعد ما يكون عنها. ما الذي حمله إلى اختلاق هذه الحكايات. رحت أسائل نفسي حتى إذا ما انفضّت الجلسة واختلى كل منا بصاحبه، عاجلْته بالسؤال: «عمو أبو سرمد، هذي شنوا هالقصص؟ يعني هذي صحيحة؟».

نظر في وجهي ثم قال: «ابني خالد، هذا المهندس اللي جبتوه معاكم، إيش تعرفون عنه؟ هذا لولا أن يكون بعثياً وراضية عنه الحكومة ما كان سمحوا له ييجي إلى لندن. وهذا كيف رضوا عنه لولا أنه يقدم لهم خدمات ويكتب تقارير عن الناس. هذا اليوم راح يرجع للفندق ويكتب تقرير بالكلام اللي سمعه مني ويقول التقيت بشلة من المغتربين المتفسخين ما عندهم شغل غير الحريم، يقودهم شيخ غارق بالموبقات».

الشرق الأوسط

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com