ترامب في مقاربة ”الحماية“ وثمنها

ترامب في مقاربة ”الحماية“ وثمنها

عدلي صادق

بخلاف افتقارها إلى الحد الأدنى من اللياقة السياسية؛ بدت إشارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المتكررة، إلى وجوب دفع بعض الدول ثمن ما يسميه “حماية الجيش الأميركي” لها، والتركيز في هذه الإشارات على السعودية والخليج، نوعاً من اللغط الكريه الذي يفتقد إلى أدنى معرفة بطبائع العلاقات الدولية ووقائع التاريخ الأميركي نفسه وحسابات المصالح.

ولا يختلف اثنان في أن سامعي ثرثرات الرئيس الأميركي دونالد ترامب في جهات الدنيا الأربع يتوقعون منه كل أنواع الكلام. فالرجل يرى نفسه ألمعياً وصاحب أفكار لم يسبقه إليها أي رئيس أميركي من قبل. وبهذا المعنى، يصبح الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، جاهلاً عندما اعترف في عام 1934 بأهمية المملكة العربية السعودية بالنسبة لبلاده، وأرسل أول بعثة دبلوماسية مقيمة في الرياض، بدل أن تظل الشؤون السعودية محض ملف يديره أحد الموظفين ضمن البعثة الدبلوماسية السعودية في القاهرة. أيامها قال روزفلت “إن الدفاع عن المملكة العربية السعودية أمر حيوي للدفاع عن الولايات المتحدة”.

كان الطليان المرابطون في الصومال، قد هاجموا منشأة النفط الأولى التي أقامتها حديثاً شركة بترول كاليفورنيا في الظهران، وحدث ذلك في إطار العمليات الحربية لقوات المحور الذي تقوده ألمانيا في الحرب العالمية الثانية. وبالطبع، لم يكن القصف يستهدف تجمعات سعودية، وإنما يضرب أحد مصادر الطاقة التي يستفيد منها الأميركيون والبريطانيون. هذه الحقيقة نبهت الرؤساء الأميركيين منذ روزفلت إلى ضرورة العلاقة الاستراتيجية مع السعودية، وإلى أن أي تعاون أو مساندة لهذا البلد، وللدول المنتجة للنفط، إنما هما دفاع عن المصالح القومية للولايات المتحدة، وحماية لمنشآت البترول ولخطوط مواصلاته!

لم تكن الدولة السعودية، في أي وقت، مهددة بالزوال لكي يردد ترامب أن القوات الأميركية تحميها، وأنها لولا هذه الحماية لزالت. فقبل عام 1931 كانت العلاقة السعودية- الأميركية سطحية أو ضعيفة، ولم يتجه الأميركيون إلى التقارب مع السعودية، إلا بعد أن أيقن مستكشفون أميركيون، أن هناك ثروة نفطية كبيرة في باطن الأراضي السعودية، وعرضوا على الملك عبدالعزيز مسودة اتفاق للتنقيب، فتقبلها الملك السعودي، وأبرم معهم اتفاقاً. ولم يدفع الأميركيون أيامها سوى 35 ألف جنيه إسترليني تحت عنوان تأجير مواقع التنقيب والخدمات. الملك عبدالعزيز، من جانبه، أراد دعم اقتصاد بلاده في حال تم استخراج البترول، لكي لا يظل الاقتصاد السعودي يعتمد على مداخيل موسم الحج. وفي الواقع، نبهت الغارة الإيطالية عبدالعزيز الذي لم يكن قد أسس جيشاً حديثاً، إلى أهمية تلازم عملية إنتاج النفط مع وجود القوة ذات المصلحة في الدفاع عن مصادر الثروة. قبل ذلك كان الأمر يقتصر على اعتماد الرياض على البريطانيين، لدفع الأطماع التركية في الجزيرة العربية. أما في ظروف الحرب العالمية الثانية، فقد أصبحت الخشية من أعداء البريطانيين والأميركيين، وهذه معادلة حكمت مسار العلاقات الأميركية- السعودية، واستمرت مع تغير مصادر الخطر على الدولة السعودية.

لكن المملكة اليوم ليست طفلاً ترعاه واشنطن وتحميه، لكي تطلب ثمن خدماتها. فواشنطن تحمي مصالحها، والدولة السعودية غير مهددة في وجودها ولا تدين به لواشنطن. بل إن الدولة السعودية لم تمارس علاقة مع الولايات المتحدة في خطٍ مستقيم لا يلوي على شيء يميناً أو يساراً. فقد شهدت هذه العلاقة العديد من التوترات، واختلفت السياسات في بعض المراحل، لا سيما المراحل التي اقتربت فيها من الخط القومي، في عدوان 1956 وفي حرب يونيو 1973 وحتى في فترة الرئيس السابق باراك أوباما، الذي لوحظت في خلفية سياسته، ميول إلى تصفير المشكلة مع إيران، والإهمال المتعمد للفظاعات ضد الشعب السوري.

وعندما تسلم الملك عبدالله بن عبدالعزيز الحكم، كانت أول رحلة خارجية يقوم بها إلى الصين. وفي عام 2012 تم التوقيع على اتفاقية سعودية صينية للتعاون في استخدام الطاقة الذرية للأغراض السلمية. وقبلها، في عام 2007 رحب الملك عبدالله بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الرياض ومنحه أعلى وسام في المملكة، وأبرمت روسيا والسعودية مشروعاً مشتركاً بين شركة أرامكو السعودية وشركة “لوك أويل” الروسية لتطوير حقول غاز سعودية جديدة، وانفتحت علاقة السعودية شرقاً وغرباً وشمالاً، ولم يكن في وسع أوباما في فترة ولايته، أن يتحدث عن حماية أميركية للسعودية، يريد ثمنها أو يريد -على الأقل- اقتصار العلاقات الاستراتيجية السعودية على الولايات المتحدة. فلا ثمن ضائعاً لواشنطن عند السعودية. بل إن ترامب نفسه، مدين لها بمساندة حملته الانتخابية.

إن اختزال السياسات وأحوال الدول في توصيفات مرسلة، هو أحد أعراض النزق والرعونة والميل إلى المزايدة والاستعراض. لذا فإن دونالد ترامب يقصد بتفوهاته التعمية على مأزقه في الداخل الأميركي، وتقديم نفسه باعتباره حامي الحقوق الأميركية التي يراها هو ولا يراها سواه. فما بين الولايات المتحدة والسعودية، على الصعيد العسكري، هو سوق السلاح وتبعاته، وهي إحدى الأسواق العديدة المتاحة، والولايات المتحدة مستفيدة من مشتريات السعودية. أما أن تكون القوات الأميركية جاهزة للتحرك دفاعاً عن خطوط مواصلات البترول، فهذا أمر يتعلق بمصالحها، في حال تعرضت خطوط مواصلات البترول لأي انسداد.

ربما يصح القول إن الولايات المتحدة، ليست قادرة على حماية الصومال عندما تتوافر أسباب الزوال لدولة الصومال. وهي، في التاريخ القريب، لم تحم سايغون بل هربت منها، مثلما هربت من أفغانستان. وعندما “حمت” حلفاءها في العراق وأسقطت الدولة تسلمتها إيران في أغرب تجسيد لرعونة الغزو العسكري.

فالقوة الأجنبية المسلحة لا تحمي دولاً تتوفر في داخلها أسباب انهيارها. والروس الذين حاولوا حماية نظام يساري في أفغانستان بالقوة العسكرية، هُزموا وأهينوا وتفككت دولتهم الشاسعة واختفى النظام اليساري. لكن دونالد ترامب يجدّف خارج منطق التاريخ.

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة