جلال أمين واقتصاد الشخصية المصرية

جلال أمين واقتصاد الشخصية المصرية

رضوان السيد

في العقدين الأخيرين، كدنا ننسى جميعاً أنّ جلال أحمد أمين أستاذٌ في الاقتصاد، وله عدة كتبٍ في الاقتصاد المصري والاقتصاد العالمي. فقد انصرف ابن أحمد أمين لمتابعة حياة مصر وعيشها ومتغيراتها، وتطورات التفكير فيها. كنا حتى ثمانينيات القرن الماضي، نصنّف الرجل باعتباره يسارياً ليبرالياً. لكنه حتى في يساريته كان شديد الموضوعية، بحيث يبدو محافظاً وهادئاً، وواسع الأفق بقدر سعة المعرفة التي يختزنها وينشرها ويطورها. ولأنني لستُ متخصصاً في الاقتصاد، فقد تعلمتُ وزملائي منه الكثير عن متغيرات الاقتصاد العالمي، والتمييز الدقيق بين تجارب النهوض الاقتصادي ضمن التيارات المتعددة في العولمة، عولمة السوق والتبادُل، وعولمة سلوكات الدول المتشابهة والمختلفة في الوقت نفسه. فعن طريق كتبه عرفنا المدارس الكبرى الاقتصادية، والتحول الكبير الذي ألْغى تلك المدارس أو ألْغى الحدودَ بينها. وكنتُ أُسائل نفسي وأُسائل طلابه: هل لدى الرجل كتب مدرسية عادية شأن أساتذة مصر الكبار الآخرين في القانون والاقتصاد؟ وكانوا يجيبون: إنّ كتبه التي تعيد دار الشروق نشر معظمها، هي ذاتُها الكتب التي يقرؤها تلامذته وزملاؤه. ما أقصده أنّ الرجل، وهو كبيرٌ في الاقتصاد السياسي، ما انهمك أبداً في داء الإحصاء، وظلّ حتى في كتبه المقررة صاحب رأْيٍ وتوجُّه، مُمعنٌ في سلاسة العرض، وسعة المعرفة، وواضح الخُلاصات. وبعكس زملائه ورفاقه بالجامعة الأميركية بالقاهرة، أصرَّ دائماً على مخاطبة الجمهور المصري والعربي. ولا أعرف كم أثرت عروضه الاقتصادية ومشروعات رؤاه في محيطنا ببلاد الشام، لكني رأيتُ زملائي المغاربة معجبين بكتاباته في الاقتصاد وغيره.

في العقدين الأخيرين، توقف جلال أمين عن الكتابة في الاقتصاد بالمعنى الضيق، وانصرف إلى متابعة حياة المصريين ومتغيراتها الخفية والظاهرة. لذلك قرأنا له خلال أكثر من عقدين عدة استطلاعات عن الحياة الزاخرة للسبعينيات وما بعدها. وكنتُ أشعر وأنا أقرأ تلك الاستطلاعات وأُعيد قراءتها أنه يؤرّخ للحياة المصرية، لكنه ليس تأريخاً توثيقياً أو تسجيلياً، بل هو تاريخٌ أدنى للتاريخ الثقافي. وما أعنيه أنه ما كان يتابع التطورات الاقتصادية كما يفعل المدرسيون، بل كان يتابع الإنتاج الروائي والقصصي، وبرامج التلفزيون، وكتابات الصحف، وكيف استقبل المصريون هذا الحدث أو ذاك، من خلال حركيات الجمهور، واستجابات الدولة، والآثار الأدبية والاجتماعية. وقد تابعْت سخرياته الحانية من زملائه الماركسيين، والآخرين من أهل الإحصاء، وفريق توقع الكوارث والارتياع لها!

كانت الثقافة والذهنيات هي همُّه الأول. ووجهة نظره منذ بدأتُ بالقراءة له في الثمانينيات أنّ الناس حسّاسون للشأنين الثقافي والسياسي أكثر مما هم حسّاسون لارتفاع الأسعار أو تقلبات السوق، أو كما قال في كتابه عمّا بعد جورج أورويل (روايته: 1984): إنّ الأهمّ في فهم ما يجري هو إدراكات الجمهور وردود أفعاله «الثقافية» والإنسانية، وتعبيرات الألم واللوعة والاستيعاب والهضم. وكما حملت كتبه عناوين مثل: ماذا حدث للمصريين، حملت أيضاً عنواناً فريداً بعد عام 2011: ماذا حدث للثورة المصرية؟ وقد قلت مرةً لأحد أصدقائه وتلامذته: هذا الرجل دشّن في مصر ما يمكن تسميته: الاقتصاد الثقافي أو اقتصاد الشخصية المصرية.

من أعذب كتبه قصصه الثلاث عن سيرته الشخصية. إنها حكايةُ مصر في الثقافة والحياة والعائلة والمدرسة والجامعة والزملاء والخصوم خلال أكثر من ستين عاماً. كان شقيقه الراحل حسين أحمد أمين الذي عمل في الخارجية المصرية، قد أصدر قبل ثلاثين عاماً كتابه الصادم: دليل المسلم الحزين، الذي دعا فيه إلى إصلاحٍ إسلامي جذري. أما جلال أحمد أمين، اليساري السابق، فتشعر عندما تقرأ كتابه: محنة الدنيا والدين، أن الأمر مع الإسلام والعروبة ومصر ليس بهذا السوء. تشعر عندما تقرأ كتبه في السنوات العشرين الأخيرة أنه يعتبر نفسه استمراراً لوالده أحمد أمين في إصلاحيته الهادئة، وفي ثقته بمصر وبالعروبة وبالإسلام. لا يؤمن جلال أمين بالقطيعة لا في الاقتصاد ولا في المجتمع ولا في سياسات الدولة. نعم، هناك مسحةُ حزنٍ عميقة تظهر بين السطور، لكنها أبعد ما تكون عن الراديكاليات والثوريات.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com