عن النظام العالمي… وحافة الانهيار

عن النظام العالمي… وحافة الانهيار

إميل أمين

من على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، أعلن الأمين العام للمؤسسة الأممية أن الثقة بالنظام العالمي الذي يستند إلى القوانين وبين الدول «عند حافة الانهيار» و«أن التعاون الدولي أصبح أكثر صعوبة».

كارثة المشهد العالمي وبحق أننا في زمن اللانظام بعد أن فقد العالم ثنائيته التاريخية المعهودة منذ البداية، والناظر إلى الخريطة العالمية يدرك أننا في مرحلة حرجة وانتقالية تزداد فيها الفوضى وتغيب عنها الرؤى المستقبلية الواضحة بينما القيم العالمية تكاد تضحى عُرضةً للاندثار، أما الديمقراطية المثالية فباتت محاصَرة، سيما أن سهاماً أكثر صُوِّبت إلى سويداء قلب المشروع الديمقراطي في الغرب الأوروبي والأميركي على حد سواء.

والشاهد أنه وعلى بُعد عامين تقريباً من انتهاء العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين يضع الكثيرون أياديهم على قلوبهم من جراء أخطاء بشرية مقصودة أو غير مقصودة يمكنها أن تذهب بالزرع والضرع، الأخضر واليابس، سيما أن «ساعة نهاية العالم» لم يتبقَّ عليها سوى دقيقتين، وهي المؤشر الذي وضعه بعض العلماء لقياس اقتراب العالم من الحرب النووية.

هل يمكن القول إن «الازدواجية الأخلاقية» باتت آفة حارتنا الأرضية هذه الأيام؟

ضمن الفعاليات المتميزة للدورة الثالثة والسبعين لأعمال الجمعية العامة الحالية كان الاهتمام منصبّاً على مسألة نزع التهديدات النووية من العالم.

لكن عن أي حديث للنزع يتحدثون؟ هل عن روسيا الاتحادية التي تباشر اليوم صناعة أسلحة صاروخية نووية فتاكة أشد هولاً وأكثر تدميراً من تلك التي كانت حاضرة في زمن الحرب الباردة، مثل الصاروخ الجهنمي «سارامات»، الكفيل بإبادة ولاية أميركية بحجم تكساس إنْ أُطلق ذات لحظة جنونية، ناهيك ببقية أسلحة بوتين غير المعلنة؟ أم يتحدثون عن إعادة إحياء الولايات المتحدة لبرنامج حرب الكواكب الذي تبلور عام 1983 على يد الجمهوري رونالد ريغان، وإنْ أُهمل لاحقاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ويعني باختصار جعل الفضاء الخارجي للكرة الأرضية ساحة للصراعات الصاروخية؟

انهيار النظام العالمي الذي يحدّثنا عنه الأمين العام أنطونيو غوتيريش يتصل بالتهديدات الحادثة للكوكب الأزرق والتي يمكن أن تُنهي وجود الكائنات الحية عليه، بسبب إهمال معالجة التغير المناخي.

حين بشّرنا توماس فريدمان، عرّاب العولمة، بالعالم الجديد القادم كان فرانسيس فوكوياما يجزم بلغة الواثق بالمطلق أن الرأسمالية والنموذج النيوليبرالي هما نهاية التاريخ في منطق شمولي لا يختلف كثيراً عن رؤية الرايخ الثالث، غير أن الصادم للأمم أن العولمة اليوم على أبواب الغروب، وحصادها ها نحن نراه متمثلاً في صعود القوميات والإغراق في تطرف الأصوليات وعودة النزاعات الشوفينية، وجميعها تعني شيئاً واحداً، وهو أن هناك خللاً تكتونياً بنيوياً في طبقات النظام العالمي بصورته الحالية.

أحد أفضل الذين نظروا مبكراً لفشل العولمة القسرية أو عولمة القهر وقبل رحيله بأكثر من عقد كان الأمين العام للأمم المتحدة الأسبق الدكتور بطرس غالي، الذي توقع ما أطلق عليه «العودة من فكرة القرية الكونية» التي قال بها عالم الاجتماع الكندي مارشال ماكلوهان في ستينات القرن الماضي، إلى القرية الحقيقية على أطراف المدنية، سواء كانت تلك المدنية هي لندن أم سان فرانسيسكو، القاهرة أم نيودلهي.

أما السبب فيعود إلى اصطدام الشخص العادي بمشكلات العولمة، ما يجعله يشعر بعدم الأمان عندما يفتح التلفاز الخاص به ويرى مشاهد وصور الإبادة العرقية والحروب الأهلية ومعاملة اللاجئين حول العالم.

كانت رؤية بطرس غالي عن مشاهد التسعينات، والآن ربما يسائل المواطن البريطاني جاره عن حاجة بقاء بلاده في الاتحاد الأوروبي، وكيف أن الأمر جر عليه أعباء لا فائدة منها ولا طائل من ورائها، ولهذا يصر البريطانيون على الانسحاب من الاتحاد، ويبقى مثالهم حاضراً يشاغب عقول شعوب أوروبية أخرى في مقدمتها الألمان، حيث يسيطر حزب البديل اليميني المتشدد على مائة مقعد في البرلمان، فيما النازيون الجدد يطوفون البلاد في رجعة غير محمودة منذ نهايات الحرب العالمية الثانية، وحال فرنسا ليس أفضل كثيراً، وإيطاليا من ورائهما.

حين يشكو السيد غوتيريش من الفوضى العالمية والانهيار القادم، فلا بد أنه في خلفيته الفكرية حالة الانهيار الويستفالي للدول، وعودة مفاهيم القوة لتحكم المشهد من جديد. ولعل الشرق الأوسط بنوع خاص يعطي مثالاً وحالة، حيث انهيار الدولة الحديثة بمفهومها السيادي لصالح تدخلات القوة السافرة سواء كانت قوى قطبية دولية أم جماعات عنف مسلح قادرة على الذهاب بعيداً بأمن وسلام الأمم، وهذا هو النوع الأخطر من حروب الميليشيات المستخدمة والتي لا تفلح في مواجهتها الجيوش النظامية.

يلاحظ ريتشارد هاس منظّر السياسات الخارجية الأميركية الشهير، أن هناك حاجة إلى سلام حقيقي ينبع ولا بد من حوار بنّاء وخلاّق بين الأمم، سيما أن مفهوم القوة المجردة قد أثبت فشله. فعلى سبيل المثال رغم أن الولايات المتحدة تظل القطب القوى الأكبر حول العالم حتى الساعة وإن تضاءلت مسافات التنافس مع الآخرين، فإنها لا تستطيع أن تنشر السلام والرخاء الدولي على حسابها الخاص وبمعرفتها هي فقط، وأنها سوف تحتاج حكماً إلى أطراف مشاركين، مما يعني الاحتفاظ بالحلفاء القدامى إلى جانب تطوير شبكات جديدة تستوعب القوى الدولية الصاعدة.

هل هذا هو الوقت الملائم للعالم وقادته المجتمعين في نيويورك لإعادة قراءة مشروع الفيلسوف الألماني الشهير إيمانويل كانط (1724 – 1804) الخاص بالسلام الدائم بين الشعوب؟

أجمل ما قاله كانط أن «معاهدة من معاهدات السلام لا تعد معاهدة إذا انطوت نية عاقديها على أمر من شأنه إثارة الحرب مستقبلاً، فسلوك الدول يجب أن يكون أخلاقياً كسلوك الأفراد وقائماً على إرادة طيبة ونية صافية…».

في اجتماعات الجمعية العامة الأخيرة لم يلحظ المرء إلا تربصاً من الدول الكبرى بعضها ببعض، وتوقع الأسوأ كما في اتهام الرئيس ترمب للصين بأنها تحاول التدخل في الانتخابات الأميركية لإزاحته من طريقها، ما يعني أن الإرادة السلمية غير متوافرة، والأمر ينسحب على الروس الذين يكادون بصواريخهم في الشرق الأوسط جعل ميثولوجيا هرمجدون حقيقة واقعة.

بديل مشروع كانط للسلام هو ما جاد به كارل ماركس من قبل عبر مفهوم «الحرب قابلة التاريخ».

هل يفشل العالم في تخليق نظام عالمي جديد، إلا عبر حرب قد تكون الأخيرة في حياة الإنسانية على الأرض؟

الشرق الأوسط

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com