نفط البئر… ونفط العقل

نفط البئر… ونفط العقل

سليمان جودة

لا أذكر اسم مسؤول التعليم السعودي الذي كان قد تحدث إلى صحيفة «الحياة» اللندنية قبل سنوات من الآن، ولكن ما أذكره جيداً أنه كان الرجل الثاني في وزارة التعليم، وأن حديثه كان عن الطلاب السعوديين المبعوثين للخارج في جامعات العالم، وأن الصحيفة وضعت كلامه عن الموضوع في برواز على صدر صفحتها الثالثة، وأنه قد وصف كل مبعوث سعودي يدرس في جامعة عالمية، بأنه يمثل مع باقي زملائه «نفط المستقبل» في المملكة، وأن هذا المعنى الفريد الذي رآه في كل بعثة دراسية، يستحق دائماً أن نظل نعود إليه إذا أردنا أن ندلل على حصيلة التعليم الجيد في حياة الأمم.

وكان المعنى أن النفط الذي يعرفه العالم، وتستخرجه وتصدّره السعودية، إذا كان يشكل ثروة في مكانه، وهو كذلك من دون شك، إلا إنه ثروة ناضبة بطبيعته، لأنه مهما كان حجم الاحتياطي منه، فإن هذا الاحتياطي يمكن أن يأتي عليه يوم ينفد فيه وينتهي… ويظل مثل هذا الاحتمال وارداً وقائماً في أي دولة طبعاً، وفي أي أرض يخرج منها البترول ويتدفق، وليس في الأراضي السعودية وحدها، ولا في شبه الجزيرة العربية دون غيرها من مناطق آبار البترول في العالم.

ولأن صانع القرار السعودي يعرف هذا ويدركه، فهو منذ وقت مبكر يستعد بنفط آخر، من نوع ما أشار إليه مسؤول التعليم، وهو يتكلم عن عائد بعثات التعليم في خارج البلاد… نفط آخر لا ينضب بطبيعته، ولا ينتهي، ولا يتبخر… نفط يبقى ما بقي الإنسان الذي تلقى خدمة تعليمية جيدة في بلاده أو في خارجها… نفط يتشكل في العقل، ويتفجر منه، ويفيض خارجه، ويعيش فيه على الدوام… نفط من العلم الذي ينفع الناس ويبني المجتمعات وينشئ الدول… نفط من علوم العصر التي بها يصعد الإنسان ويعلو ويرتقي في السماء… نفط يتجدد ما تجددت الرغبة عند أصحابه في أن يكونوا ذوي شأن بين الناس. هذا هو النفط غير الناضب الذي قصده مسؤول التعليم، وكشف به عن أن بعثات التعليم في الخارج تذهب وفق خطة، وتعمل حسب جدول، وتعود على هدف، وتتحرك في كل أحوالها على أساس من برنامج عمل جرى وضعه مسبقاً.

وفي مؤتمره الصحافي قبل أسبوع، بدا الدكتور أحمد العيسى، وزير التعليم في السعودية، كأنه يكمل ما كان مسؤول «نفط المستقبل» قد بدأه في وقته… فالدكتور العيسى كان يتكلم عن أن وزارته تحاصر فئة من المعلمين تحاول توظيف الأنشطة الطلابية وتحويلها إلى منصة لنشر أفكار جماعة «الإخوان» بين الطلاب… وكان يتكلم عن أن مضامين «رؤية 2030» سوف تنعكس في المقرر الذي يدرسه الطلاب، ليكونوا على صلة لا تنقطع بتوجهات الاقتصاد في حاضر بلدهم، وملامح المستقبل أمامه… وكان يتكلم عن أن طموح الوزارة هو إلغاء الكتاب المدرسي المطبوع، وإتاحة مصادر المعرفة الإلكترونية لكل طالب، ثم كان يستدرك سريعاً ليقول إن هذا الطموح لدى وزارته يراعي وجهة النظر التي ترى أن مهارات القراءة والكتابة مطلوبة، وضرورية، وجديرة بأن تبقى، وأن قرار وقف الكتاب المطبوع في 2020 لا بد من أن يضع وجهة النظر هذه في الاعتبار.
إننا أمام قضايا أساسية ثلاث؛ الأولى أن المسؤول عن التعليم في مدارس السعودية وجامعاتها على وعي بطبيعة الأفكار الخطأ، التي يمكن أن تتسلل إلى عقل كل طالب، وعلى دراية بالطريقة التي يستطيع بها محاصرة مثل هذه الأفكار في مهدها، ومنع وصولها إلى داخل المدارس والجامعات، لأن التجربة معها تقول إنها أفكار تؤسس لمصالح جماعة، لا لصالح وطن.
والثانية أن «رؤية 2030» التي تحمل البلاد إلى مستقبل مختلف، لا يجوز أن تكون بعيدة عن المناهج والمقررات، ولا بد من أن تتداخل معها، وتتشرب فيها، وتتسرب إليها، ليكون الطالب قريباً منها، وعلى إحاطة بها، وهو يتابع دراسته في مدرجات العلم وقاعات الدرس… فالرؤية منذ جرى وضعها والإعلان عنها، تريد بلداً سعودياً مختلفاً بعد 12 عاماً من هذه اللحظة، عن البلد القائم أمام أبنائه الآن، ولا سبيل إلى ذلك إلا إذا كان هؤلاء الأبناء أنفسهم شركاء في ترجمتها على الأرض؛ إنْ فاتهم أن يكونوا حاضرين في صياغتها وقت وضع خطوطها العريضة، وعناوينها الرئيسية، وإطارها العام.
والثالثة أن خطوة وقف الكتاب المطبوع، المقرر لها مبدئياً أن تكون في 2020، ليست خطوة من حديد، ولا هي منغلقة على نفسها، ولكنها تتسم بالمرونة، أكثر مما تعرف الجمود والثبات، وتستجيب لكل ما قد يستجد على الطريق، وتتعامل مع العملية التعليمية على أنها عملية حية تحتمل الحذف والإضافة، وتتقبل الجديد الطارئ، وتستقبله بصدر مفتوح في كل الأوقات.
والذين قرأوا أشياء عن «جمهورية» أفلاطون عند اليونان القديمة، يعرفون أن الفيلسوف اليوناني لمّا أراد أن يضع مواصفات الدولة القوية التي يتخيلها، جعل خضوع الطالب في هذه الدولة لنظام تعليمي صارم، هو المعيار الأول الذي لا معيار آخر يسبقه لوجوده مواطناً فيها… ومن صرامة النظام التعليمي الذي وضعه أفلاطون، وتدرج فيه، وتولى شرحه وبيانه بالتفصيل، ومن طول مراحله، وتعددها، وتتابعها مرحلة تلو أخرى، يتبين القارئ من كتاب «الجمهورية» ومن تفاصيلها أنها ستقوم، حين تقوم، على أساس من التعليم… ولا شيء غير التعليم… وأن الإنسان المؤهل للعيش فيها هو الإنسان المتعلم دون سواه.
ورغم أن أفلاطون عاش قبل ميلاد السيد المسيح بقرون عدة، ورغم أن نفطاً من نوع ما يعرفه العالم هذه الأيام، لم يكن له وجود وقتها، فإن فيلسوف اليونان أدرك منذ وقت مبكر جداً ما أدركه مسؤول التعليم السعودي وهو يتكلم في القرن الحادي والعشرين من الميلاد عن نفط من نوع جديد يختلف عن النفط التقليدي الذي اشتهر بأنه الذهب الأسود… أدرك أفلاطون وهو يؤسس لـ«جمهوريته» أنها في حاجة إلى نفط لتقوم، وتصمد، وتنافس بين الأمم، وأن هذا النفط ليس من الضروري أن يكون تحت الأرض، بل يمكن أن يكون فوقها، وأن يكون عقولاً في الرؤوس تمتلكها الدولة، وتنفق عليها، وتتيح لها التعليم الأفضل.
«نفط المستقبل» – وكل نفط في الحقيقة – هو في العقل المتعلم، قبل أن يكون في بئر هنا؛ أو في بئر أخرى هناك.

الشرق الأوسط

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com