الأصدقاء الكرد!

الأصدقاء الكرد!

المصدر: محمد الرميحي

في اجتماع عربي عقد أخيرا في بغداد وقفت سيدة كردية، وهي عضوة في مجلس النواب العراقي، وقالت: «نحن نرحب بالأصدقاء العرب». وأكملت: «ولم أقل الأشقاء، لأن الأشقاء دائما ما يقفون مع أشقائهم في السراء والضراء، أما الأصدقاء فقد يفعلون ذلك أو يحجمون عنه، حسب مصالحهم، وأنتم (العرب) لم تقفوا مع (الكرد) في محنهم الكثيرة التي مروا بها».

الوفد العربي لم ينزعج لهذه الملاحظة، والتي تعبر بلا شك عن موقف سياسي كردي، ينفس عما أصاب الكرد من عنت إبان صعود الحكم القومي العربي الذي لم يأبه أو لم يهتم بآمال الكرد، كما يعبر عن موقف عاطفي، لأن به تعميما غير موضوعي لتوصيف المشكلة التي تواجه، ليس الكرد فقط، ولكن معظم مكونات الشعب العربي في مرحلة التحول الكبرى، متى ما وصل مكون منهم إلى الحكم وتجاهل الآخرين في الوطن.

فعلى الرغم من الجيرة والتواصل بين العرب والكرد لتاريخ طويل، لم يجد العرب، بشكل عام، مدخلا لفهم والتعامل مع «القضية الكردية» من أول التسمية إلى آخر الطموحات. فالكرد يأنفون من تسمية العرب بقولهم «الأكراد». هم يفضلون الإشارة إليهم بـ«الكرد»، كما نأنف نحن العرب من تسمية الإيرانيين لنا «الأعراب»، فالإشارة الدائمة من جانب بعض الإيرانيين للعرب بـ«أعراب» تعني استدعاء الآية الكريمة «الأعراب أشد كفرا ونفاقا»! وهي تفسر نفسها دون الكثير من الشرح. فالتعصب القومي كالتعصب العرقي كما التعصب الفئوي أو أي شكل من التعصب، عادة ما ينفي الآخر ويهمشه، إلا أن المعضلة أن ذلك التهميش ينتج إلى حد كبير تعصبا آخر مضادا، وهكذا دخلت الجماعات المختلفة في منطقتنا في تطاحن شديد، ترتفع وتيرته أو تنخفض بسبب غياب كامل لمفهوم وتطبيق المواطنة الحديثة «التساوي في الحقوق والواجبات والفرص»، وبسبب ذلك الغياب تنتشر فيما بيننا اليوم صراعات مدمرة إلى حد تأزم الأوطان وتحولها إلى دول فاشلة أو تكاد.

الحقيقة الاجتماعية هي أن قليلا من دولنا العربية يسود فيها التماثل الاجتماعي الكامل، فالكثير من الأوطان العربية عبارة عن جماعات سكانية مختلفة العرق أو المذهب أو الديانة أو اللغة أو اللون أو حتى الخبرة الاجتماعية المشتركة. سعى البعض إلى كنس كل ذلك تحت طاولة السياسة دون العمل على تعظيم المشتركات فيما بين المواطنين، فسادت الغلبة أو حتى الشعور بالغلبة لدى فئة، وساد الشعور بالتهميش لدى أخرى، مما أدى إلى هذا التشرذم الذي نراه اليوم ماثلا في حروب وصراعات.

الكرد في العراق قصتهم طويلة ومعروفة، انتهت في وقت ما بحروب ثم باستخدام الغاز القاتل في «حلبجة» مات منه العشرات وسقطوا في الشوارع. في سوريا حرموا من المواطنة حتى بشهادة ورقية تثبت أنهم مواطنون في بلدهم، أما في تركيا فإن الكر والفر بين الكرد والدولة التركية الحديثة ما زال مستمرا ومنذ سنوات ولم يرسُ على بر حتى الآن. وفي إيران يعاملون كالعرب، بازدراء. ذلك كله ملف شائك.

إلا أن أمر المدينة الصغيرة «عين العرب» (كوباني) التي تدور حولها اليوم معارك طاحنة، قد جلب الملف الكردي إلى رأس قائمة الاهتمام. كوباني منذ الصيف الماضي حتى اليوم أكسبت القضية الكردية زخما لم تنله في السابق، وفتحت لهم آفاقا لم يكن بالإمكان تصورها قبل أشهر قليلة، إلا أن الفرص تلك تحوطها أيضا المخاطر، فإن قرر الكرد تجاهل المحيط السياسي، والذهاب بعيدا من أجل تحقيق طموح «دولة كردستان» فإن ذلك قد يدخلهم والمنطقة في حرب عرقية طويلة تستنزف كل إمكانياتهم، كما أن بقاءهم مقيدين بالظروف المحيطة تثبط آمال الشعب الكردي. التحدي هو الوصول إلى صيغة وسط بين الدولة المستقلة والتبعية الكاملة، وهي صيغة الاستقلال المحلي أو الحكم الذاتي.

الحكم الذاتي للأكراد سهل القول، صعب التحقيق، لسببين؛ أولا: الصراع بين الأكراد أنفسهم، وهو صراع طويل ومرير، وثانيا: الصراع مع الجوار الذي تسكنه كتلة سكانية كبيرة من الكرد، وهو شبيه للأول في طوله ومرارته. قد تسجل كوباني في المستقبل نقطة التوافق بين المختلفين (الكرد أنفسهم)، وقد تكون أيضا نقط الخلاف الأكبر فيما بينهم، ذلك كله معتمد على قدرة القيادات الكردية على تفهم الدروس وحسن المناورة.

خريطة الجماعات الكردية السياسية مربكة، فهي تتكون من حزب عمال كردستان الذي أسسه السيد عبد الله أوجلان المسجون الآن في تركيا، وهو حزب له ميول اشتراكية، وهو في حرب شبه معلنة مع تركيا، والأخيرة لديها تحفظات عميقة على دعم الحركة السياسية الكردية بألوان الطيف فيها، بسبب خوفها من ردة الفعل لدى كردها في الداخل، وحزب الاتحاد الديمقراطي، وهو فرع سوري لحزب العمال الكردي (التركي) وتتبع هذا الحزب ميليشيات تحارب الآن في كوباني تسمي نفسها «وحدات حماية الشعب»، ثم نجد المجلس القومي الكردي السوري الذي يسعى إلى تحقيق مصالح الكرد السوريين، ثم حزب الاتحاد الكردي (سوري) يرعاه مسعود بارزاني من العراق، ولدينا حكومة كردستان الإقليمية (مسعود بارزاني) الزعيم القوي الذي يتطلع إلى حيازة أكبر قدر من النفوذ لدى الكرد، وقد حصلت حكومته على الحكم الذاتي من الدولة العراقية كواقع عملي، وإن لم يرضِ بعض السياسيين العراقيين، ثم حزب اتحاد كردستان الوطني الذي كان يقوده حتى مرضه الأخير السيد جلال طالباني.

تلك التجمعات هي الأبرز في النشاط السياسي الكردي، ولكنها ليست كل الجماعات الكردية السياسية، فهناك قوى صغيرة ومتوسطة لها اجتهادات سياسية أو تابعة لدولة جارة، كما أن الخلافات بين تلك التجمعات ليست قليلة، وصلت إلى مواجهات عسكرية في بعض الأوقات السابقة من تاريخ الأكراد الحديث.

إبان تصاعد المعارضة لحكم صدام حسين في العراق، كان الأكراد فاعلين نشطين فيها على المستوى الدولي، وأذكر في أحد اللقاءات أن قال أحد الزملاء الكرد، وهو صحافي مرموق، أصبح بعد تحرير العراق متحدثا رسميا لفترة، قال في إحدى تلك الندوات: «أنا كردي، أفكر بعقل عربي»! مما أرسل ابتسامات على شفاه الكثير من الحاضرين، الذين وجدوا أن الزميل في حين أراد أن يمتدح ذم، لأنه لا العقل العربي ولا الكردي استطاع أن يجد حلا لمعضلة التناقض، أو وصفة معقولة للخروج من عمق المأزق، الذي وجد العرب والأكراد أنفسهم فيه، أو رغبة عربية من المستنيرين في إقامة دولة مدنية حديثة جامعة، ورغبة كردية في الاستقلال، حتى لا يتكرر التحقير مرة أخرى، وهما هدفان متناقضان. كوباني فرضت الحديث عن معضلة الأكراد كما معضلة الدولة العربية، إلا أنها معضلة شاملة، لها علاقة بالفشل في تكوين الدولة العربية الحديثة، التي أفرزت ما نشاهد ونعايش من أزمات، وأظنها سوف تبقى معنا لفترة، يؤسفني القول إنها قد تطول، سواء أكنا أشقاء أو حتى أصدقاء.

آخر الكلام:

لأن الإسناد العربي للكرد في محنتهم الأخيرة يأتي من طائرات تطير على علو شاهق، فطبيعي ألا يرى الكرد إلا الطائرات الغربية؛ لأنها تعرض كل مساء إنجازاتها على شاشات التلفزيون!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com