أميركا بين دولتين.. العميقة والثابتة

أميركا بين دولتين.. العميقة والثابتة
U.S. President Donald Trump acknowledges the crowd during the Make America Great Again rally at the Florida State Fairgrounds in Tampa, Florida, U.S., July 31, 2018. REUTERS/Carlos Barria TPX IMAGES OF THE DAY

إميل أمين

هل أميركا على موعد جديد مع أيلول أسود آخر؟ كان الموعد السابق قبل نحو سبعة عشر عاماً، عندما ضرب زلزال الثلاثاء الحادي عشر من سبتمبر نيويورك وواشنطن، وها نحن في مواجهة أربعاء أسود، ذلك اليوم الذي نشرت فيه صحيفة «نيويورك تايمز» ذائعة الصيت، شديدة الوقع والتأثير مقالاً بغير صاحب، عنوانه «أنا جزء من المقاومة في إدارة لترامب»، وإن المحت الصحيفة إلى أن كاتبه هو مسؤول كبير في إدارة الرئيس ترامب؟ المقال يتحدث عن تفكير جرى بين بعض من أطراف الإدارة الأميركية حول إمكانية استخدام التعديل رقم (25) للدستور الأميركي، والذي تم إقراره عام 1967، لإزاحة ترامب من البيت الأبيض..

ما يطرح التساؤل لماذا؟ ينبع أصل المشكلة من سياسات ترامب اللااخلاقية، وذلك أن جل من عملوا معه يدركون أنه رئيس لا يستند إلى أسس ثابتة في عملية صنع القرار.

ورغم أنه انتخب كمرشح «جمهوري»، إلا أنه لا يتقيد بخطوط الطول والعرض التي تبناها المحافظون، وفيما يستشهد أحياناً ببعض المبادئ كالفكر المتحرر والأسواق الحرة والحرية الشخصية، ينتقدها بشكل صريح في مناسبات تالية.

غير أن هذه كلها لا يمكنها بحال من الأحوال أن تدفع للتفكير في إزاحة الرجل، إن لم يكن هناك أسباب أعمق خافية عن العوام.

الأسئلة التي تواجهنا في محاولة فهم ما يجري في إدارة ترامب ساخنة وملتهبة، فهي تبدأ من عند حدود كيف وصل للبيت الأبيض، وقد لا تنتهي عند محاولات إزاحته.

لم يكن ترامب يوماً رقماً من أرقام السياسة الأميركية، وليس له دالة على الفهم المعمق للحياة الحزبية «الجمهورية» ولا «الديمقراطية»، ولهذا كان وصوله للبيت الأبيض مفاجأة غريبة الشأن، بعد فوزه على هيلاري ذات الخبرات السياسية الأنفع والأرفع للبلاد.

يقول الراوي أن هناك من اختار ترامب من خارج أطر النخبة السياسية «الجمهورية» والديمقراطية لهدف محدد وهو إصلاح وترميم ما أفسده باراك أوباما بسياساته الداخلية والخارجية، ما ترك مجالاً للرفض الكبير من أطراف الدولة العميقة له ولإدارته ولهذا كان لا بد من إسقاط هيلاري.

هنا تزداد الحيرة ويعم الاضطراب، بمعنى أنه إذا كان قد تم اختياره لتنفيذ مهمات محددة، فلماذا ينقلبون عليه، الأمر الذي يؤكده «ستيف بانون» مستشاره السابق؟ كان من الواضح أن هناك من يريد لأميركا العودة إلى المربع رقم واحد، وهذا طرح المحافظين الجدد عبر الوثيقة الشهيرة الخاصة بهم، والمعروفة بـ«وثيقة القرن» للعام 1997، والتي تبلورت لاحقاً عام 2010 بما يعرف بـ«استراتيجية الاستدارة نحو آسيا». الفكرة الواضحة للوثيقة الأولى وتابعتها كانت تستدعي إزاحة الصين بوصفها قطباً قادماً من الفضاء الاستراتيجي الكوني، وكذا قطع الطريق على القطب الروسي العائد بقوة مهدداً الهيمنة الأميركية المفرطة.

عطفاً على هذا وذاك كان الصوت الأعلى في السنوات الأخيرة في الداخل الأميركي هو صوت الانعزاليين، أولئك الذين سئموا من فكرة الزعامة الأميركية المكلفة منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الساعة، والمنادين بزعامة من دون أعباء إنْ جاز التعبير.

جاء ترامب في واقع الأمر منادياً بهذا التوجه، لكنه في الوقت ذاته يبدو أنه تجاوز الخطوط المرسومة له، فقد أغضب الحلفاء الأميركيين الموثوقين، وفي المقدمة منهم الأوروبيين، وأخذ ينهج منهجاً أممياً يختصم من المعيار القيمي الأميركي ذاك الذي أكسبها ذات مرة حضوراً وألقاً غير مسبوقين، ما يسر لها أن تضحي «نور الألم» Lumen Gentium، أو المدنية «فوق التل»، التي تنير للعالم أضواء الديمقراطية وتشع عليه بأجواء الحرية، ذلك قبل أن يسعى الرجل في طريق «جمهورية الخوف»، عن طريق تعلية وتغليب الأمن على الحريات، ومنع دخول مواطني دول غالبيتها إن لم تكن كلها إسلامية إلى البلاد، بحجة محاربة الإرهاب.

الجزئية الأكثر إثارة للخلافات في الداخل الأميركي، والتي باتت تشق النسيج المجتمعي الأميركي، تلك المتعلقة بعلاقة ترامب بروسيا، وهنا لايملك المرء رؤية واضحة لأبعاد هذا اللغز المغلف بسر، والملفوف في داخل أحجية على حد وصف هنري كيسنجر.

التساؤل هنا هل تدخل الروس بالفعل في انتخابات الرئاسة الأميركية 2016؟ وإذا كانوا قد فعلوا ذلك، فهل جرى الأمر بتنسيق مسبق بين حملة ترامب وبين عملاء روس، أم أنه حدث وإن التقت إرادات دون قصد، إذا كان الرئيس الروسي قد أضمر شراً طويلاً لهيلاري والتي شككت في انتخابه عام 2012؟ أغلب الظن أن المحقق موللر، سوف يطارد ترامب، مطاردة الساحرات، كما يدعي الأخير، وقد لا يكون من اليسير أن يثبت التهمة على ترامب، لكن في كل الأحوال يمكن القطع بأن شرخاً ما حدث في جدار النسيج الاجتماعي الأميركي، وهو المقصود بالدولة الثابتة، أي الشارع الأميركي والرأي العام الداخلي، وفي المقابل لاتزال الدولة العميقة حاضرة بقواها الضاربة عبر المجمعات المعروفة تاريخياً وفي مقدمتها المجمع الصناعي العسكري، وجماعات النفط، والأدوية، وأسواق المال وغيرها.

الولايات المتحدة أمام مفترق طرق، ومواجهة بين الدولتين العميقة والثابتة، وإنْ كان البعض مثل جورج فريدمان رجل استخبارات الظل، يقطع بأن الدولة العميقة كائنة منذ عام 1871 وتمثل الآلية الفعلية التي تتحرك وراء الحكومة الفيدرالية عبر مراقبة سياسات السلطة التشريعية.

إلى أين ستمضي فصول تلك المواجهة؟ الليالي الأميركية حبلي بالمفاجآت يلدن كل غريب وعجيب.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com