الشعب الأميركي عاقب أوباما على ضعفه

الشعب الأميركي عاقب أوباما على ضعفه

راغدة درغام

يعتزم الكونغرس الجمهوري سلب الرئيس باراك أوباما من أدوات تركته التي يحيكها لنفسه عبر المفاوضات النووية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فهذا الكونغرس الجمهوري يريد أن تتجمد السيرة التاريخية لباراك أوباما في اليوم الذي صعّد وتوعّد ثم تردّد وتراجع في الساعة الأخيرة وهو يمحو الخط الأحمر الذي هدد به الرئيس السوري بشار الأسد بعد اتهامه باستخدام الأسلحة الكيماوية ضد شعبه. الشعب الأميركي عاقب الرئيس أوباما على ضعفه لأنه اعتبر نفسه مخدوعاً بالمرشح أوباما الذي قدمته الحملة الانتخابية قائداً عازماً قوياً قادراً على صنع التغيير والإبقاء على المكانة المتميزة للولايات المتحدة. الناخب الأميركي أعطى الجمهوريين في انتخابات الثلاثاء الماضي صلاحية الضغط على أوباما والتضييق عليه إنما ليس واضحاً بعد إن كان الشعب الأميركي جاهزاً للانتقال من الانعزالية التي يرتاح فيها مع باراك أوباما إلى المواجهة التي تخيفه في الجمهوريين. الواضح أن الأميركيين لا يريدون الانجرار إلى حروب الآخرين ولا يريدون خوض الحروب بجنودهم. المعروف أيضاً أن من يتخذ قرار الحرب، في نهاية المطاف، هو الرئيس الأميركي وليس الكونغرس. إنما ما ستشهده السياسة الأميركية الخارجية في السنتين المقبلتين لن يكون كما جرت العادة. فالكونغرس الجمهوري ينوي التمهيد لمرشح جمهوري في البيت الأبيض من خلال إظهار مدى انعدام الكفاءة في إدارة أوباما وفي شخصه بالدرجة الأولى ثم من خلال تفنيد سياساته الخارجية الممتدة من إيران إلى الصين ومن سورية إلى روسيا. فموعد باراك أوباما مع التاريخ سيتعثر كثيراً لا سيما إذا كان في ذهنه المضي إليه عبر طهران.

ظن باراك أوباما أنه أحسن قراءة مزاج الأميركيين وأولوياتهم وأنه أيضاً أحسن الأداء بانسحابه السريع من العراق وأفغانستان ورفض الانخراط في سورية. ظن أن الشعب الأميركي سيشكره على تلبيه رغباته الانعزالية وعلى إيكاله مفاتيح قيادة وصنع السياسة الخارجية إلى المؤسسات التقليدية مثل وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) وإلى الوكالات الجديدة التي تم إنشاؤها في أعقاب إرهاب 11 سبتمبر وتحديداً وزارة الأمن الوطني القومي Homeland Security التي تشارك فيها 22 وكالة ووزارة.

اعتقد باراك أوباما أنه حسناً فعل بتبنيه استراتيجيته القائمة على شن الغارات الجوية بلا جنود على الأرض وعلى استخدام الطائرات بلا طيار Drones التي لا تلتقط الاهتمام الشعبي الأميركي مع أنها تمزّق الأجساد. فهذه هي الحروب البعيدة عن البصر التي تحجب صور الدماء عن شاشات التلفزة ولا تستفز مشاعر الأميركيين. ظن أن هذا هو تماماً ما يطلبه الأميركيون.

الاقتصاد أفضل. البطالة أقل. الإرهاب لم يدخل مجدداً الأراضي الأميركية. إنما هذا كله لم ينقذ باراك أوباما من غضب ولوم الشعب الأميركي. حتى المحافظات الثلاث التي استفادت جداً من برنامج التأمين الصحي المعروف بـ obama care وانخفضت أسعار التأمين فيها بصورة كبيرة عاقبته فصوتت اركنساس وكينتاكي ووست فرجينيا لمصلحة الجمهوريين.

الشخصية الأميركية تعاني من انفصام الذات في هذه الحقبة من التاريخ. فالأميركيون انتخبوا رجلاً له ميزة المبشِّر الذي يحسن فنّ الخطابة وكانوا يعرفوا تماماً أنه ليس مُجرَّباً في القيادة ولا هو قدير في السياسة. كانوا يدركون أنه من صنع دهاء اللعبة السياسية في شيكاغو وليس من صنع التدرّج في الخبرة لاكتساب الحكمة السياسية.

ربما أكثر ما أثار الأميركيين ضد أوباما هو ضعف شخصيته كرئيس التي فضحت وعوده القوية كمرشح. فالأميركيون يريدون دوماً أن يكون رئيسهم قائداً مرموقاً يؤخذ بجدية بالغة دولياً ولا يعجبهم أن يكون رئيسهم متردداً أو عنيداً. أوباما اكتسب سمعة التردد والعناد وافتقد الاحترام العالمي له بسبب تراجعه عن الخط الأحمر.

انفصام الشخصية الأميركية واضح بإصرار الأميركيين على أن تكون الولايات المتحدة قوية ذات مصالح مميزة وبامتيازات عالمية. لكنهم لا يريدون تقديم التضحيات ولا يريدون الانخراط. يعتز الأميركيون بأنهم متفوقون في أخلاق حقوق الإنسان أينما كان، لكنهم لا يعانون أبداً وهم يغضون النظر إما عن التجاوزات الأميركية في الحروب السرية أو عن الاكتفاء بمشاهدة الفظائع في سورية في إحدى أكبر الكوارث الإنسانية في هذا الزمن.

لعل التاريخ يسجّل لاحقاً لباراك أوباما أن سياساته التي تبدو للكثيرين جاهلة أو ضعيفة هي حقاً ذات دهاء يميّز سياسات المؤسسات التي تصنع السياسة الاستراتيجية البعيدة المدى للولايات المتحدة. فهو الرجل الذي جلس في المقعد الخلفي لهذه المؤسسات، على نسق وزارة الأمن الوطني القومي ووكالة الاستخبارات المركزية. وربما ما حدث في سورية لم يكن بريئاً عندما رفض أوباما الانخراط. ربما يسجِّل التاريخ لاحقاً أن الولايات المتحدة في عهد باراك أوباما ورّطت روسيا وإيران معاً في سورية حيث باتت سورية فيتناماً لإيران وموقع انزلاق روسيا من غطرستها.

حتى الآن، نجحت إدارة أوباما في منع قدوم الإرهاب إلى الأراضي الأميركية. الرئيس السابق جورج دبليو بوش خاص حربين في أفغانستان والعراق لينفذ استراتيجية منع عودة الإهاب إلى المدن الأميركية. ونجح. الفارق بين الإدارتين أن إدارة بوش خاضت الحروب المكلفة بالمال والجنود الأميركيين لتحقيق هدفها، بينما إدارة أوباما أوكلت تلك الحروب للآخرين وبجنود الآخرين وهي تحقق منع عودة الإرهاب إلى المدن الأميركية.

الجمهوريون يعتقدون أن إدارة أوباما مخطئة في سياساتها نحو سورية ونحو روسيا وإيران و «حزب الله» في الأدوار المختلفة لهذه الأطراف في سورية. فهم لا يوافقون على نظرية توريط روسيا وإيران في سورية ليتسلماها مُمزَّقة مشرذمة مليئة بجميع أنواع التطرف والإرهاب، فتصبح مشكلتهما وليس مشكلة الولايات المتحدة. الجمهوريون يؤمنون أن تحوّل سورية إلى الأرض الخصبة للإرهاب و «الداعشية» يهدد المصالح القومية الأميركية في الشرق الأوسط كما يهدد بعودة الإرهاب إلى الأراضي الأميركية. رأيهم أن امتناع باراك أوباما عن الانخراط في سورية باكراً لتنفيذ سياسته بإسقاط بشار الأسد ساهم جذرياًَ في تحول سورية إلى بؤرة خطيرة للإرهاب العالمي. وهم يلومونه وسيطالبونه بتنفيذ السياسة التي أعلنها، وإلا سيحاسبونه كلما سنحت لهم الفرصة لذلك.

رأي الجمهوريين هو أن على إدارة أوباما أن تبلغ كلاً من موسكو وطهران أن عليهما الكف عن لعبتهما في سورية. يرحبون باستخدام تخفيض أسعار النفط لضرب وإضعاف كل من روسيا وإيران ويصرّون على ضرورة مضي إدارة أوباما بهذه الأدوات. هذا إضافة إلى الاستمرار في فرض العقوبات على كل من روسيا – بسبب أوكرانيا – وإيران بسبب برنامجها النووي. وهم يريدون أيضاً توسيع رقعة العقوبات على إيران لتشمل معاقبتها على تدخلها غير الشرعي في سورية والعراق وربما اليمن ولبنان وأينما تنتهك الجمهورية الإسلامية الإيرانية قرار مجلس الأمن الذي يمنعها بموجب الفصل السابع من الميثاق من تصدير السلاح والعتاد العسكري والعسكريين خارج حدودها.

يريدون أيضاً الحزم مع الصين في مختلف القطاعات والكف عن إعفائها من المحاسبة على مواقفها بالذات نحو إيران. فالصين قادرة على استيراد النفط من إيران على رغم العقوبات الدولية المفروضة على طهران بسبب موافقة أميركية ضمنية على ذلك. والجمهوريون يريدون إعادة النظر في ذلك.

الكونغرس الجمهوري عازم على منع اتفاقية نووية مع إيران على الشكل الحالي لها وسيفعل كل ما في وسعه لإحباط اتفاقية نووية تلبي المطالب الإيرانية. وحتى ولو وافق أوباما على اتفاقية يعارضها الكونغرس الجمهوري، فإنه سيكرر تجربة الرئيس السابق بيل كلينتون الذي توصل إلى اتفاقية «كيوتو» ثم رفض الكونغرس التصديق عليها.

إيران، ربما، من أكبر الخاسرين في الانتخابات النصفية الأميركية التي أعطت الجمهوريين الأكثرية في مجلس الشيوخ ومجلس النواب. والأرجح أن يتولى السناتور جون ماكين قيادة لجنة القوات المسلحة. عندئذ ستكون استراتيجية الجمهوريين التضييق على وزير الدفاع تشاك هاغل كي يكون أقل ضعفاً.

يدرك الجمهوريون، مع أنهم لا يعترفون علناً بذلك، أن الحرب على «داعش» في العراق قد تتطلب في مرحلة ما جنوداً أميركيين على الأرض. يقول بعضهم إنه قد لا يكون هناك مناص من ذلك لأن الغارات وحدها لن تكون كافية. الرئيس أوباما ألمح إلى أنه متوجه إلى الكونغرس ليحصل على صلاحية موسعة للحرب على «داعش». قال إن للعراق أولوية في الحرب على «داعش» لطرده من هناك. أما في سورية فإن أوباما يعتمد استراتيجية «عزل المتطرفين» وليس استراتيجية إيجاد حل شامل للوضع السوري في عموم البلاد، بحسب قوله. وربما يشرح ذلك لاحقاً عندما يبدأ الكونغرس الجمهوري باستجوابه والإمساك بقدميه فوق النار، بحسب التعبير الأميركي الذي يعني الضغط في إطار المحاسبة والحث على الاستدراك.

لبنان قد يستفيد من سيطرة الجمهوريين على الكونغرس لأن الجالية اللبنانية – الأميركية بمعظمها، من جمهوريين أو ديموقراطيين، ضد أوباما. ومع الكونغرس الجمهوري ستُطرح تطورات لبنان أكثر وتلاقي اهتماماً أكبر.

تركيا ستستفيد لأن الجمهوريين يجدون إصرار الرئيس طيب رجب أردوغان على الوضوح في شأن مصير الرئيس بشار الأسد في محله، وهم يؤمنون أن الدور التركي حاسم في الحرب على «داعش» وبالتالي لا مناص من تلبية المطالب التركية. بالمقابل، ينوي الجمهوريون ممارسة الضغوط على قطر التي لها – كما تركيا – علاقات مع مختلف التنظيمات مثل «جبهة النصرة» أو «داعش» وذلك لأن الجمهوريين يعتقدون أن دعم قطر لهذه التنظيمات يؤذي المصالح الأميركية كما أن دعم قطر لـ «حماس» يؤذي حظوظ التوصل إلى تفاهمات فلسطينية – إسرائيلية.

الجمهوريون، تقليدياً، يصطفّون وراء إسرائيل مهما فعلت. ولذلك، سيعاني الفلسطينيون في ظل كونغرس جمهوري وعليهم أن يصيغوا استراتيجية جديدة تأخذ ذلك التطوّر في الحساب. الرئيس أوباما فشل في حياكة تركة يذكر له التاريخ فيها أنه حقق السلام الفلسطيني – الإسرائيلي في مطلع عهده. وكان ذلك أول امتحان له كرئيس أميركي إذ أثبت أنه لا يعرف حقيقة النسيج السياسي في الولايات المتحدة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.

استمرار بناء المستوطنات الإسرائيلية وأحداث القدس الأخيرة قد تعرقل جدياً مسيرة أفضل بين الدول الخليجية والكونغرس الجمهوري بسبب الاختلاف الجذري في المواقف حول النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي. أما من جهة مواقف الكونغرس الجمهوري من سورية وروسيا وإيران والعراق ولبنان واليمن، فإن الدول الخليجية ترحب بها لأنها تتلاقى معها في أكثر من منعطف.

ففي الشرق الأوسط، كما في الولايات المتحدة، دخل الرئيس باراك أوباما البيت الأبيض ودخل بالموازاة قلوب الناس وعقولهم وآمالهم وتطلعاتهم. أما اليوم، فإن أولئك الذين احتفوا به حينذاك يشاطرون الناخب الأميركي حكمه على باراك أوباما. فهم يرون أن هذا الرجل الساحر بوعوده وشخصيته حينذاك بات اليوم مخيّباً للآمال، لا ثقة به ولا شعبية له، وكل هذا بفعله.

*الحياة

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com