الإمارات والفضاء.. طموح بلا حدود

الإمارات والفضاء.. طموح بلا حدود

إميل أمين

من بين نقاط الضوء المضيئة والمشعة بالأمل وسط عالمنا المضطرب الهائج والمائج بالقلاقل والمليء بالأحزان والهموم، يبقى الحلم والنموذج الإماراتي منفرداً مصدر تعزية للنفس وراحة للعقل العربي، ولعل الإعلان الأخير عن اختيار رائديّ فضاء إماراتيْين تم اختيارهما لمسيرة برنامج الفضاء الإماراتي، خير دليل على نجاعة ذلك الحلم. صدق صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حين أشار إلى أنه مثلما أن الفضاء لا حدود له، فإن طموحات الإماراتيين أيضاً لا حدود لها في طريق مزيد من الإنجازات للوطن الغالي، إنجازات يقوم عليها أبناء الإمارات لا غيرهم في حمل راية الإبداع والتفوق والتميز بقوة وتصميم يعكسان مقدرة على التحدي والتصدي في الأرض والفضاء معاً. هل الخبر في حد ذاته يمثل نقلة نوعية للعالم العربي برمته، وليس للإمارات والإماراتيين فحسب؟ بالتأكيد ذلك كذلك، وعند صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، الجواب الشافي والوافي، فمع الإعلان عن مولد رائدي فضاء إماراتيين، يضحى لدى الإمارات برنامج فضائي متكامل، وقطاع فضائي قادر على تحقيق الحلم، سيما وأن الدولة قد وفرت له الدعم المالي الكافي وقدره 20 مليار درهم، وبات لدى الإمارات البرنامج الوحيد لاطلاق مسبار للمريخ في المنطقة، وأضحى لدى الشعب الإماراتي قدرات صناعة الأقمار الاصطناعية بنسبة 100%، والآن رواد فضاء إماراتيين. الذكاء الاجتماعي للإمارات والقائمين عليها لا يقل عن ذكائهم العلمي، والأول هو الذي جعل أحلام الإنسان الإماراتي لا حدود لها، ما يفتح الدرب واسعاً أمام التطوير والإجادة يوماً تلو الآخر، ويباعد عن زمن الانسداد العربي التاريخي المؤلم.

مرة أخرى يتحتم علينا الوقوف أمام الجذور التاريخية للمشروع الفضائي الإماراتي، وهنا سنجد أن الحلم الكبير بريادة الفضاء، كان وراءه كما في كل مشروعات النهضة الاماراتية، لمسات ولمحات وجذور الأب المؤسس زايد الخير رحمه الله.

في سبعينات القرن الماضي التقى المغفور له الشيخ زايد مع فريق وكالة «ناسا» للفضاء المسؤولة عن رحلة «أبولو» إلى القمر، وقد كان اللقاء حافزاً لتوجيه اهتمام الإمارات بالفضاء منذ ثلاثة عقود، ما أدى إلى ولادة قطاع وطني للفضاء مع تأسيس شركة «الثريا» للاتصالات في أبريل 1997، وشركة «إلياه» للاتصالات الفضائية، وإطلاق القمر«ياه سات» بعد عشر سنوات في 2007.

سؤالان جوهريان: ما الذي تريده الإمارات من برنامجها لرواد الفضاء؟ وهل الحديث عن ارتياد الفضاء مجرد ترف فكري أم حاجة حياتية ماسة؟

الشاهد أن برنامج الإمارات لرواد الفضاء يسعى لتحقيق الاستراتيجية الوطنية الرامية لتطوير كوادرها العلمية، وإعداد الأجيال القادمة وإيصالها إلى أعلى المستويات العالمية، ويحقق تطلعاتها لأخذ دور في الاستكشافات العلمية والمشاركة في رحلات الاستكشاف المأهولة، ما يعني أن رجال الإمارات الشجعان لن يسخّروا الأرض فقط لخدمة الإنسان والانسانية، بل الفضاء أيضاً بكل ما فيه من إمكانيات لم يستوعبها العقل البشري بعد.

أما الجزء الآخر من الإشكالية، فينطلق الجواب عليه من تأمل حال البشرية في عام 2050، أي بعد نحو ثلاثة عقود من الآن، وساعتها سيصل تعداد سكان الكرة الأرضية إلى تسعة مليارات نسمة، يسعون جميعاً إلى المسكن والمأكل والملبس، وإلى فرص عمل، وإلى مصادر طاقة، وإلى أشكال الدعم الإنساني كافة، وهناك شكوك عميقة في أن تكون الأرض مصدراً كافياً لهذه الاحتياجات، وساعتها ربما يكون من باب الإجبار لا الاختيار والبحث عن بديل لإقامة الإنسان وحياته خارج الكوكب، عبر ارتياد كواكب أخرى تصلح لسكنى البشر. حلم الإماراتيين في الفضاء واسع ومثير للاهتمام بصورة كبيرة جداً، فهو يتجاوز إطلاق قمر اصطناعي محلي على أهمية الحدث، أو إرسال مسبار إلى المريخ عام 2021، إلى حدود إقامة مستعمرة إماراتية على المريخ بحلول عام 2117 يقيم فيها ستمائة ألف شخص.

الحلم الإماراتي الخاص بالمستوطنة وراءه في واقع الحال رؤية خلاقة وضرورية لاستكشاف واختبار المشاكل والمعضلات المرتبطة بعملية الاستيطان في الفضاء الخارجي، ويمثل الفضاء الكوني من حولنا أمل البشرية في النجاة على المدى البعيد، ليس بيولوجياً فقط، ولكن ثقافياً وحضارياً، ومن المتوقع أن تقوم عملية غزو واستيطان الفضاء الكوني القريب من الأرض، أي المجموعة الشمسية بمواجهة الاحتمالات والفرص العديدة لفناء البشرية والتدخل في سيناريوهاتها القاتلة.

حين تفكر وتخطط الإمارات لبرنامجها الطموح لسكنى الفضاء، فإنها تنضم بذلك إلى النادي الدولي، الذي طالب به عالم الكيمياء الحيوية «روبرت شابيرو»، وهو نادي تحالف إنقاذ الحضارة الإنسانية، بهدف إرسال احتياطي للبشرية خارج الأرض، بحيث يمكن في حال فناء الأرض من قاطنيها أن تتم إعادة غزوها وإعمارها من الفضاء مرة أخرى.

يوماً تلو الآخر تثبث القيادة الإماراتية أنها ماضية قدماً في أثر خطوات زايد الخير، الرجل الذي اكتشف عمق ومعنى الحياة، وأدرك مبكراً جداً أن الحياة لا تساوي شيئاً من دون مزاياها ومن دون الإحساس بالفخر والحقوق، ومن دون البهجة التي تجعلها تستحق أن نحياها.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com