عالمنا العربي بين التحضر والفناء

عالمنا العربي بين التحضر والفناء
نبيل فهمي

تواجه دول العالم العربي مخاطر جمة داخليا، وتحديات ضخمة على المستوى الإقليمي في الشرق الأوسط، أهمها أن الهوية الوطنية لدولنا تعرضت محليا لمحاولة اختطاف، وفضلا عن وجود محاولة جارية لتغيير خريطة المنطقة العربية والشرق الأوسط، وتشكيل كيانها السياسي على أساس عرقي على حساب الهوية الوطنية العربية القومية التي شكلت الخريطة الإقليمية من زمن طويل، مخاطر مع تصدع المؤسسات الوطنية من المشرق للمغرب، وإخفاقها في الاستجابة لتطلعات مجتمعاتنا، وتنامي الاستقطاب والطائفية في المنطقة بشكل سريع وخطير.

ونشهد في الشرق الأوسط عامة والعالم العربي على وجه الخصوص تحركات سياسية محلية وإقليمية ودولية، للتعامل مع الأحداث المضطربة بالمنطقة من زوايا مختلفة، فالبعض يريد تجنب مخاطرها، والبعض الآخر يرمي إلى توظيف مناخ عدم الاستقرار لصالحه، حتى إذا ترتب على ذلك إعادة تخطيط المنطقة جغرافيًا، واقتصاديًا، وسياسيًا، بل ولا يستبعد أن يكون ذلك من ضمن أهداف وأدوات البعض، خاصة من يرون أن في مصلحتهم انحصار الهوية العربية، أو تغيرت اهتماماته ومصالحه الاقتصادية في المنطقة.

وتتحمل مصر مسؤولية رئيسية في التصدي لهذه المخاطر، لاعتبارات تاريخية، ووطنية، وإقليمية. وعليه، فالمطلوب من مصر رؤية، ليس فقط لبناء مستقبل أفضل لهذا البلد العظيم، وإنما للعالم العربي بأكمله، رؤية سياسية، واجتماعية بطرح حضاري لدور ومساهمة الحكومات داخل بلادنا، وللعقد الاجتماعي بين الحكومات والشعوب، رؤية تشمل مبادئ لتعامل الدول العربية إقليميا، نتحمل فيها مسؤولية تحديد مستقبلها في المقام الأول، ورؤية عربية لقواعد وأساسيات للدعم الواجب من المجتمع الدولي، وهو دور يجب أن يكون مكملا للأدوار الوطنية والإقليمية وليس بديلا عنها أو المحرك لها.

ومن الطبيعي أن توجه الرسالة المصرية الأولى في هذا الجهد للرأي العام العربي، طالما أكدنا على هويتنا العربية، ومسؤوليتنا العربية عن هذه المنطقة، وستكون الرسالة أكبر وأوسع انتشارا وأكثر أثرا إذا جاءت على المستوى الرئاسي المصري، وتتناول مخاطر الحاضر ومتطلبات المستقبل، لتؤكد على حتمية العمل المشترك، وضرورة المحافظة على الهوية العربية، ومحذرة بكل قوة من مغبة المخاطر الكارثية لما نراه من تيارات تدفع نحو إعادة تخطيط المنطقة العربية وترسيمها على أسس غير وطنية عربية.

وما نشهده بأحداث العراق، وليبيا، وغزة، وسوريا، واليمن، مؤشرات خطيرة لمستقبل متقلب ومضطرب في العالم العربي والشرق الأوسط.

والأمانة تقتضي أن نصارح أنفسنا بأن علينا حتى قبل مخاطبة الشعوب العربية خارج حدودنا، أن نبادر جميعا كدول عربية بمخاطبة شعوبنا ومحاورتهم حول المبادئ التي يجب أن تنظم دولنا داخليا، وعبر العالم العربي إقليميا، في بناء مستقبل أفضل، مبادئ تقضي على مخاطر الاستقطاب الطائفي والتطرف المذهبي الذي يهدد عالمنا العربي، مصحوبة بأفكار حول كيفية التوفيق بين التمسك بالهوية الوطنية العربية للدول العربية، واحترام شخصية الأقليات وثقافتها وأصولها العرقية. مبادئ وأفكار تتصدى بحزم أمني وعمق وحكمة فكرية للتطرف والعنف والإرهاب، ومن ضمن الاقتراحات التي قد تحقق ذلك:

1 – دعوة رؤساء كافة الدول العربية المستقرة إلى عقد حوارات وطنية منفردة فيما بين شعوبها.

2 – تقديم الدول لنتائج هذه الحوارات إلى الجامعة العربية لرصدها وتسجيلها وتنسيقها كلما أمكن.

3 – إصدار الجامعة العربية لوثيقة أو إعلان للمواطنة العربية، تؤكد من جانبها الجامعة وأعضاؤها على احترام الدولة الوطنية ووحدة وسيادة أراضيها، وتتضمن مبادئ توافقية لحماية الشخصية الثقافية والاجتماعية للأقليات في سياق الدولة الوطنية.

4 – دعوة العالم العربي لمراجعة هذه الوثيقة كل 10 سنوات باعتبار أن التحول المجتمعي لا يتوقف ولا ينقطع.

5 – سرعة عقد الاجتماع الوزاري المشترك لوزيري الداخلية والعدل للدول العربية لتفعيل التعاون فيما بيننا، فيما يتعلق بقضية الإرهاب، بصرف النظر عن خلافاتنا السياسية، وهو الاقتراح الذي قدم لمجلس وزراء الخارجية العرب في بداية العام، ثم بالقمة العربية بالكويت، فالإرهاب من أخطر أدوات بث السموم والفرقة فيما بيننا وسرطان لا يمكن القضاء عليه.

6 – عقد اجتماع تشاوري لقيادات عدد من أجهزة المخابرات العربية للتشاور وتبادل المعلومات حول التيارات المتطرفة لوضع سبل أجنبية للتعامل معها.

7 – ومن الأهمية بمكان أيضا عقد حوار بين المفكرين المتحضرين العرب حول أفضل السبل التعليمية والثقافية لمواجهة الفكر المتطرف.

ليس من المبالغة القول: إن العالم العربي في مفترق طرق، وعليه مسؤولية أخلاقية ووطنية، لإعادة توجيه وتصحيح مسار الدفة السياسية لأوطاننا، ولم الشمل حول روابطنا وجذورنا القومية المشتركة نحو بناء منظومة سياسية وطنية عربية حديثة، نضيف ونساهم بها في تشكيل منظومة دولية أكثر استقرارا وعدالة، ونطرح من خلالها نموذجا عربيا للدولة الحضارية يسعى إلى أن يحتذى به وضمن مبادئ وقواعد هامة في هذا السبيل:

– أننا دول وطنية عصرية لا نفرق بين مواطنينا.

– دول تحترم وتتمسك بالقانون الدولي كعنصر حاكم علينا وعلى غيرنا، دون تمييز أو استثناء.

– دول مستقلة تؤمّن لنفسها احتياجاتها بعلاقات متعددة مع مختلف دول العالم، تصادق الكل بقدر احترامهم لحقوقنا ومصالحنا.

– دول فاعلة ومتفاعلة مع النظام الدولي ومعنية بتطويره ليصبح أكثر عدالة وإنصافا، وعلى رأسها مجلس الأمن والمنظمات الاقتصادية، ضمانا لحقوق الدول النامية.

– دول رشيدة تحافظ على مصادر الطبيعة لعالمنا المعاصر، ولها مواقف ومبادرات المصادر الطبيعية من ضمنها حول الطاقة، والمياه، والمناخ.

– دول إنسانية تحترم حقوق الأقليات، والمرأة، والشباب.

– دول ذات سيادة لن تتأخر في الدفاع عن النفس، أو ضمان أمنها القومي أمنيا وفكريا، وفي نفس الوقت دولة مؤمنة بالأمن الجماعي والإقليمي، وحل النزاعات بالطرق السلمية.

مرة أخرى، عالمنا العربي في مفترق طرق، أمامه خيار التحضر، أو الانزلاق نحو الهاوية السياسية والمجتمعية التي تقضي على العالم العربي.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com