الفهم بعد فوات الأوان!

الفهم بعد فوات الأوان!
خيري منصور

ذات يوم سيدرك ما تبقى من نظم سياسية عربية على قيد التاريخ والحياة أن فلسفة الدببة التي ألقت الحجارة على الذباب ألحقت بها من الأذى أضعاف ما ألحقه بها الخصوم، فالمسألة أبعد من النوايا.. لأن الجحيم كما يقال طريقه معبد بالنوايا الحسنة هذا إذا كانت النوايا بالفعل كذلك! وإذا كان وهم امتلاك المعصومية واحتكار الصواب قد عصف بامبراطوريات في التاريخ وأحالها إلى أطلال، فمن باب أولى أن تنتهي نظم لا ترى غير ما تريد ولا تسمع غير صدى صوتها إلى هذا المصير، والعبارة التي ودع بها الرئيس التونسي الهارب قصر قرطاج قد تذهب مثلاً في التاريخ القادم وهي: الآن فهمت وقد تصبح بشهرة ما قالته عائشة الحوراء للصغير وهو يسلم مفاتيح غرناطة، ثم يكتب الإسبان على الباب الذي سمي باب خروجه: زفرة العربي الأخير.

النقد الذاتي نعمة ومطلب معرفي وأخلاقي لمن يدرك فاعليته سواء كان فرداً أو نظاماً أو حتى دولة، لأن المضادات الحيوية ضد التعفن وفقدان الصلاحية، وحين كتب د. صادق العظم كتابه الساخن والساخط بعد هزيمة حزيران بعنوان النقد الذاتي بعد الهزيمة، قرر أن لا يعلق أسبابها على أي مشجب آخر، وحمل المهزومين عبء هزيمتهم وحشد من الظواهر والأمثلة ما يبدد العجب مما جرى لأنه ببساطة كشف السبب!

عبارة ابن علي الآن فهمت يجب أن توضع تحت المهجر النفسي أولاً، ومن ثم تحت مجاهر السياسة والاجتماع، فالرجل قال من حيث لا يدري أن ثلاثة عقود لم تكن كافية لأن يفهم، وحين فهم جاء هذا الاكتشاف «الأرخميدسي» بعد فوات الأوان. وهناك نظم قدمت من التنازلات خلال أسبوع واحد ما كان من الممكن تقديمه بالتقسيط المريح خلال ثلاثين عاماً، لكن هذا الاستدراك فشل أيضاً، لأنه جاء بعد خراب البصرة كما يقول مثل عراقي، تضمخ على ما يبدو خلال قرون بأحزان القصب في الأهوار الذي تصنع منه النايات الشجية!

والنقد الذاتي ليس هبة مجانبة أو مجرد قرار يتخذه فرد أو جماعة، انه تدريب وتأهيل وقدرة على احتمال الألم النفسي والاعتذار لكنه شأن كل دواء مُر وله أعراض جانبية كالغثيان أو الصداع ينتهي أخيراً إلى استعادة العافية.

إن ما جرى لهذا العالم العربي الذي كان يسمى ذات عروبة عاربة أو غابرة «الوطن العربي». لم يتم استيعابه بعد، لأن المخفي منه أعظم. وما تفكك منه ليس أحزاباً أو حتى دولاً فقط، بل هو النسيج التاريخي والهوية، والبكاء من شدة الألم في نقد الذات والاعتراف بالأخطاء قبل أن تتحول إلى خطايا أشرف ألف مرة من البكاء على الحليب المسكوب كما يقول مثل إنجليزي!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة