الإرهـابيون فى بيوتنا !

الإرهـابيون فى بيوتنا !
أحمد عبد المعطي حجازي

لا يبدو حتى الآن أننا فهمنا طبيعة المعركة الدائرة بيننا وبين هذه الجماعات والمنظمات الإرهابية التى نواجهها منذ سنوات داخل البلاد وخارجها.

والدليل على عدم الفهم أننا نستقبل ما يحدث وكأننا مفاجئون به مندهشون، لأن الارهابيين يملكون هذه القوة وهذه الأسلحة التى يتصدون بها لمؤسسات الدولة، ولأنهم لا يتراجعون رغم ما يتكبدونه من خسائر، بل هم يعلنون عن أنفسهم ويكشفون عن وجوههم، ويواصلون هجماتهم، ويوقعون بنا هذه الخسائر الفادحة التى روعتنا فى الأيام الأخيرة ولم نكن نتوقعها، لأن المعركة التى كنا نظن أنها حوادث عابرة متفرقة أو جرائم يرتكبها أفراد أو عصابات من الخارجين على القانون تحولت فجأة فأصبحت حربا شعواء يشنها علينا عدو مدرب مدجج بالسلاح لم نكن نحفل به ولم نستعد لمواجهته.

بل نحن لا نزال حتى الآن نعتقد أن معركتنا مع هذه الجماعات والمنظمات الارهابية محصورة فى هذه الهجمات التى تتعرض لها قوات الجيش وأجهزة الأمن حيث توجد هنا وهناك. ولا نزال نتحدث عن الثأر والقصاص كأن الأمر لا يزيد عما يحدث فى قرى الصعيد بين عائلة وأخرى. وكأننا نتحدث عن مجرمين أفراد هاربين من تنفيذ أحكام صدرت بحقهم. فنحن ننتظر أن يقعوا فى قبضة أجهزة الأمن لتأخذ العدالة مجراها.

والمؤسف أن نسمع هذه اللهجة من الجميع..المواطنين والمسئولين وأجهزة الاعلام، وأن نكون فى عدم فهمنا لطبيعة معركتنا مع هذا الإرهاب الأسود سواء.

نحن نعتقد كلنا أو معظمنا أنها معركة محدودة قصيرة مع منظمات مأجورة أو جماعات متطرفة يدعونا بعضهم للمصالحة معها، ونتجاهل تجاهلا تاما أن الخطر الذى نواجهه ونظن أنه محصور فى هذه الجماعات وهذه العصابات وباء متوطن له ثقافته وتراثه، وله ممثلوه وتنظيماته وخلاياه السرطانية التى تتكاثر كلما وجدت مناخا مناسبا كالمناخ الذى عشناه خلال العقود الماضية والتى تنتشر وتتمدد لا فى أوساط أو فئات دون غيرها، بل فى كل الأوساط وفى مؤسسات الدولة ذاتها. وقد قرأنا فى الصحف ما صرح به بعض الوزراء وبعض المسئولين بأن الاخوان مازالوا إلى اليوم يحتلون الأماكن التى احتلوها بالحق وبالباطل فى الوزارات والمؤسسات والجامعات.

أئمة مساجد، وقضاة، وأساتذة جامعيون يشاركون فى المظاهرات ويهربون السلاح للطلاب فى سياراتهم، وأطباء، ومهندسون، ومدرسون، ومفتشون، وحتى رجال أمن. والأدهى والأنكى من أخونة الوظائف أخونة النظم والمؤسسات والقوانين.

لقد أفزعنى وأثار فى نفسى شعورا بالاكتئاب والاغتراب ما قرأته عما يسمى «الشرطة المجتمعية» التى قالت الأنباء ان قسم التشريع فى مجلس الدولة انتهى من مراجعة مشروع قانون بانشائها لتكون كما فهمت من الأخبار والتعليقات المنشورة واسطة بين الشعب وأجهزة الأمن وغيرها من مؤسسات الدولة، ولتشجع التواصل الاجتماعى والعلاقات الايجابية كما زعموا بين أفراد المجتمع. وهى وظيفة فسرها الكثيرون ولهم الحق بأنها ستكون مدخلا لمراقبة سلوك المواطنين والتفتيش فى حقائبهم واستراق السمع عليهم والتدخل فى أمورهم الخاصة والعدوان على حرياتهم الشخصية فى مجتمع تعود على أن يتطفل ويتدخل فى حياة الأفراد الخاصة وأن يتلذذ بانتهاك حرماتهم وكشف أسرارهم. وهذه الشرطة المجتمعية إذن هى الترجمة المصرية للشرطة الأخلاقية أو الدينية التى تمارس هذه الوظائف فى بعض البلاد المجاورة تحت عنوان «الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر»!

وكما أفزعنى ماقرأته عن الشرطة المجتمعية أفزعنى ماقرأته عن قانون الأزهر فى الذى وافق مجلس الوزراء على مادخله من تعديلات يقول عنها الدكتور سعد الدين هلالى الأستاذ بجامعة الأزهر فى مقالة نشرت أخيراً له إنها تعطى إدارة الجامعة الحق فى إتهام عقائد المشتغلين بالتدريس فيه وإقامة محاكم التفتيش الدينية لهم!

وقبل بضعة أيام أرسل لى المجلس الأعلى للثقافة نسختين من كتابين جديدين صدرا هذا العام مقررين على تلاميذ الصف الأول الثانوى، أحدهما فى اللغة والأدب وعنوانه «هيا للابداع. اللغة العربية»، والآخر فى التاريخ وعنوانه «مصر الحضارة. جولة فى حضارة مصر وحضارات العالم القديم». وقد طلب منى الأمين العام للمجلس أن أقرأ الكتابين وأن أبدى ما يعن لى من ملحوظات عليهما.

وقد قرأت الكتاب الأول المقرر فى اللغة العربية فوجدت فيه مادة تنسب للدين أكثر مما تنسب للشعر والنثر. وأنا لا أعترض بالطبع على هذه المادة، لكنى أعتقد أن مكانها كتاب فى التربية الدينية وليس كتابا فى اللغة العربية مقررا على أبنائنا المصريين على اختلاف دياناتهم. فضلا عن أن شعارات الاخوان تتردد فى بعض نصوص الكتاب كما نجد فى قطعة ركيكة بعنوان «عصر صدر الاسلام» جاء فيها مايلى: «لقد استطاع الاسلام متمثلا فى القرآن الكريم والسنة النبوية أن يوحد الأمة العربية تحت لواء الاسلام وزعيم هو الرسول صلى الله عليه وسلم ودستور هو القرآن». وهكذا تتردد هتافات الارهابيين فى الكتاب : القرآن دستورنا ! والرسول زعيمنا ! والموت فى سبيل الله أغلى أمانينا !!

هل تريدون أمثلة أخرى من ثقافة الارهاب المتفشية وخلاياه المنتشرة فى جسد الدولة والمجتمع ؟ اقرأوا ماتنشره الصحف وتذيعه القنوات الفضائية من كلام السلفيين وتصريحاتهم الهمجية التى يعلنون فيها أن الفصل بين الدين والسياسة كفر صريح، وأن العلمانيين كفار باتفاق العلماء! لأنهم يقولون ان الحكم والسياسة من شئون الدنيا. ومثلهم الشيعة بل هم «أخبث وأخطر». والجهاد ضدهم ـ ومعناها قتلهم ! ـ واجب شرعى!

هل تجدون أى فرق بين مايقوله هؤلاء السلفيون وماتقوله وتفعله داعش، والقاعدة وغيرهما من الجماعات والتنظيمات الارهابية التى تقتل جنودنا فى سيناء والفرافرة وفى الدقهلية والشرقية والمنيا؟

مع هذا يتحرك السلفيون بحرية كاملة بعد أن فروا مؤقتا من سفينة الاخوان الغارقة وتعلقوا بسفينة يونيو وأصبح لهم مكان فيها وفى الدستور الذى شاركوا فى وضعه فسمحوا فيه بنص يمنع قيام الأحزاب على أساس دينى مقابل السماح لهم بإقامة أحزابهم على أساس دينى؟!

فى هذه الفوضى التى غاب فيها العقل والمنطق وتفشت ثقافة وأصبحت لها كلمة مسموعة ومؤسسات قانونية وأحزاب شرعية نفاجأ بما يحدث. ونعجز عن فهم مايحدث!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com