انقلاب جيو استراتيجي عالمي

انقلاب جيو استراتيجي عالمي

إميل أمين

ما الذي يجري حول العالم في السنوات القليلة الماضية؟ وهل هي عملية مخاض حكماً سيولد من رحمها عالم جديد برؤى مغايرة لما صارت عليه الأمور منذ أواخر ثمانينات القرن المنصرم؟

السؤال المتقدم لا يزال يلح على العقول منذ قمة هلسنكي الأخيرة ولقاء ترامب وبوتين، حيث الأول لا يزال يمثل القيادة العالمية بدرجة أو بأخرى، حتى وإن كان المتقدم بين متساويين، والثاني الثعلب الروسي الذي لم يعد دباً بعد، ولهذا أتسم برشاقة وسرعة الحركة والقفز من موضع إلى أخر خلال العقد الماضي وحتى الساعة. كيف يبدو مشهد النفوذ العالمي في حاضرات أيامناً؟

الجواب يكاد ينحصر تقليدياً بين القوى القديمة، أي واشنطن وموسكو، غير أن الحقيقة على خلاف ذلك فهناك صحوة آسيوية تجعل من دول تلك المنطقة شريكاً فاعلاً في رسم خريطة العالم الجديد.

نعم لا يعيد التاريخ نفسه، لكن أحداثه ولا شك تتشابه، ففي أوائل سبعينيات القرن الماضي كان الضد الأكبر للولايات المتحدة الأميركية الاتحاد السوفييتي، ولهذا عمد اثنان من أساطين الفكر الاستراتيجي الأميركي إلى رسم خريطة استراتيجية لمستقبل البلاد، أولهما هنري كيسنجر، وثانيها زيجينو بريجنسكي، وقد قاد كيسنجر جولة المصالحة مع الصين عبر ما عرف بدبلوماسية «البنج بونج»، حيث كان الهدف واضحاً في عيون الأميركيين وقتها، أي خلق جبهة أميركية – صينية، تستطيع أن تتصدى وتتحدى أطماع الاتحاد السوفييتي في الهيمنة على العالم.

استطاعت استراتيجية كيسنجر أن تترك أثرها الواضح على السياسيات الدولية في سبعينيات القرن العشرين، وها هو كيسنجر يتكلم من جديد، مع ملاحظة تغير الأدوار، بمعنى أنه لم تعد روسيا الاتحادية هي العدو الأكبر للأميركيين بل الصين، وعلى غير المصدق العودة إلى تحذيرات الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) الأيام القليلة الفائتة.. ماذا عن ذلك؟

في لقاء جمع كبار المسؤولين من وزارة الخارجية الأميركية وأعضاءً من مختلف أجهزة الاستخبارات الأميركية، تحدث المدير المساعد لوكالة المخابرات المركزية لشرق آسيا «مايكل كولينز» عن الرؤية التي يقود بها الرئيس الصيني «شي جين بينج» بلاده سيما بعد التعديلات الدستورية الصينية الأخيرة. الذين قرأوا توجهات «بينج» يؤكدون أن التهديد الصيني الآن هو أخطر تحد بين جميع التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة، فالصين تقود حرباً باردة ضد أميركا، وذلك عبر أدوات اقتصادية وعسكرية، واللجوء إلى وسائل قانونية وغير قانونية، محاولين إضعاف خصومهم قدر المستطاع ومع حرص كامل على تجنب الدخول في حرب.

هل الاتهام أو التوجس الأميركي صحيح وحقيقي وقابل للتحول إلى أفعال على الأرض؟ الجواب نجده عند كبير الباحثين في معهد دراسات الشرق الأقصى «الكسندر لومانوف» والذي يقطع بأنه خلال عشر سنوات وربما خمس سيصبح الاقتصاد الصيني هو الاقتصاد المهيمن على مقدرات العالم، والأول في الترتيب، ليس فقط بمقياس القوة الشرائية، وإنما بمعيار تحويل الناتج المحلي الإجمالي إلى عملة.

يذكرنا هذا التحليل بمصطلح «توازن الردع النقدي»، إذ لم يعد توازن الردع النووي هو العامل الحاسم في الهيمنة على المقدرات الاستراتيجية لعالمنا المعاصر.

مرة جديدة يقدر لكيسنجر أن يظهر صواب رؤاه، ففي حديث له لمجلة الفاينانشيال تايمز، أشار إُلى أن «حلف الناتو أخطأ في حق روسيا – بوتين، من خلال خطط التوسع شرقاً نحو حدود روسيا، الأمر الذي أعتبر تحدياً لهويتها، وما يمكن أن يتسبب في خطر حقيقي للامبراطورية الأميركية المنفلتة».

الذين تابعوا زيارة بوتين إلى الصين الشهر الماضي، شعروا بان التقارب الروسي – الصيني، يمكن أن يصيب الولايات المتحدة في مقتل، حيث ستجد واشنطن ذاتها في مواجهة نوعين من قوى الردع، نووية لدى الروس، ونقدية لدى الصينيين الذين يخترقون العالم بدولاراتهم، وما يقومون به في القارة الأفريقية خير شاهد على ذلك. ينصح كيسنجر ترامب بان يترفع عن لغة التعالي الفوقية الإمبريالية التي أتبعها سلفه أوباما في التعامل مع بوتين، ومحاولة استقطاب رجل روسيا وقيصرها الجديد، عوضاً عن أن يرتمي في أحضان التنين الصيني وساعتها لن يكون لواشنطن الكلمة العليا حول العالم. بريجنسكي الذي رحل عن عالمناً مؤخراً أشار إلى الخطورة الحقيقية للتحالف الصيني – الروسي الإيراني، بل وحذر من حلف أو محور قد يكون كارثياً للأميركيين، ففي ضوء القومية اليابانية المتصاعدة بقيادة «شينزو آبي»، والدعوات المتكررة لإنهاء الوجود العسكري الأميركي في اليابان، يمكن أن تلتقي مصالح الصين واليابان، ما يعني خسارة للأميركيين في آسيا مرة وإلى الأبد.

الانقلاب الاستراتيجي الجيو سياسي العالمي من بين ملامحه ومعالمه التفكير الأوروبي ولو من وراء الكواليس في تعميق التعاون الأوروبي – الروسي، أي إحياء حلم الاوراسية الذي قال به شارل ديجول زعيم فرنسا الأشهر، بمعنى وحدة ما سياسية أو اقتصادية من المحيط الأطلسي غرباً إلى جبال الأورال شرقاً، ويبدو أن ضغوطات ترامب على دول الاتحاد الأوروبي تكاد تحول الهمس في المخادع الأوروبية إلى مناداة من فوق السطوح. رويداً رويداً، تنطلق دول «بريكس» لتهيمن على دول العالم النامي وقاراته، ولقاء جوهانسبرج الأخير خير دليل على ذلك.

السؤال قبل الانصراف… هل يأخذ العرب بعين فاحصة ما يجري من حولنا لإعادة ترتيب صفوفهم، وإلا فان الموجة القادمة لن تبقي لهم مكاناً في ظل تسونامي، استراتيجي قادم؟

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com