ترامب والصدام بمؤسسة الحكم

ترامب والصدام بمؤسسة الحكم
U.S. President Donald Trump delivers remarks to mark six months since the passage of the Tax Cuts and Jobs Act, in the White House East Room in Washington, U.S., June 29, 2018. REUTERS/Jonathan Ernst

عبدالوهاب بدرخان

السؤال البديهي، بعد قمة هلسنكي، هو ما يُطرح دائماً، تحديداً في الغرب: هل العالم أكثر أمناً؟ لا يختلف اثنان على الإجابة، إذ لم يكن آمناً قبلها ولن يكون بعدها.

في السابق كان الكبار يقولون إن الصغار (تنظيمات الإرهاب وعصابات الجريمة المنظّمة) صاروا مزعجين إلى حدّ تهديد الاستقرار بعدما تحصّلوا بالسطو والتهريب والاتجار بالمخدرات على موارد مالية وقدرات نارية وتدميرية. وما توصّلت إليه الحروب على هؤلاء أنها في الحدّ الأقصى رسمت حدوداً وهمية لخطرهم وفي الحدّ الأدنى أضعفتهم وأجبرتهم على الانكفاء. الحاصل الآن أن الكبار بصدد تغيير النظام العالمي الذي صنعوه، أو للدقّة؛ صنعته الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون. ما كان للنظام القائم على الحرب الباردة أن يدوم، وحين بدا أن نظام القوة العظمى الوحيدة يمكن أن يسود ويستمر إذا بحروب أميركا تفسده وتضعفها، فيما كانت الصين تسرّع انتشارها التجاري وتوسّعه، وروسيا تعيد هيكلة عناصر«عظمتها». وهكذا فرض واقع التعدّدية القطبية نفسه ودخلت الدول الثلاث الكبرى تنافساً شديداً على مناطق النفوذ.

ربما يشكّل العقل البزنسي بمنظور العصر إحدى «فضائل» دونالد ترامب، إذ يجعله عازفاً عن الحروب والتدخّلات الواسعة، لا لدوافع «سلمية»، بل تجنّباً لكلفتها الباهظة. كان العديد من أسلافه قد نالوا مديحاً لأنهم «محاربون»، واعتُبر سلفه باراك أوباما «ضعيفاً»؛ لأنه تهرّب من المواجهات، أما ترامب فينتقدهم جميعاً لأنهم أهدروا أموال أميركا على دول أخرى لم تحظَ فقط بـ«حماية مجانية»، كما يعتقد خطأً، بل إن استقرارها وازدهارها تحقّقا أيضاً على حساب أميركا. لذا فهو جاء إلى الرئاسة لنسف النمط الأميركي التقليدي، وبهاجس استعادة أموال أميركا و«تحصيل الفواتير» من الحلفاء والأصدقاء. ففي حملته الانتخابية قال لجمهوره أكثر من مرّة: «لقد سُرقتم!». ومن هذا المنطلق اعتبر ترامب أن أميركا لم يعد لديها ما تخشاه من روسيا، فاقتصاد الأخيرة بالغ الضعف ولا مقارنة بين قوّتها العسكرية والقوة الأميركية، وبالتالي فثمة مكاسب «توفيرية» في «الوفاق» مع فلاديمير بوتين.

ومن شأن تقارب كهذا أن يغيّر معادلات السياسة الدولية، غير أن ترامب يريده لأسباب كثيرة؛ أهمها الانتقال إلى الحروب التجارية التي باشرها فعلاً، متحدّياً الصين في نقطة قوّتها الأبرز، لكن أيضاً ضد أوروبا، معتبراً أنهما اخترقتا الاقتصاد الأميركي، الأولى لتجتذب الاستثمارات وتصنع ملاءتها المالية الضخمة، والأخرى لتنعم بالاستقرار وتدفع اليورو كمنافس للدولار.

وتحت وطأة العقوبات وزيادة الرسوم التجارية على منتجات روسيا المستثناة، لا شيء يشجع بوتين على الانخراط في أي حملة على الصين، إلا أن ترامب لم ييأس وسيعاود الإلحاح عليه بكل الوسائل. أما بالنسبة لأوروبا فلا شك أن ثمة تقاطعات بين الرئيسَين، من إضعاف حلف شمال الأطلسي وتهميشه، إلى التشجيع السرّي أو العلني للدول التي تتصاعد فيها الدعوات إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي.

شكّل تفعيل «الصداقة» مع بوتين و«التوافق» مع روسيا، فضلاً عن اختصام الصين وأوروبا واستفزازهما، نوعاً من الاستراتيجية الترامبية الخاصة والشخصية، منذ حملته الانتخابية حتى الآن. وقبل أن ينصّب رئيساً، كانت قضية التدخّل الروسي في الانتخابات قد أصبحت على مكتبه، فأفسدت العلاقات بين الدولتَين ووضعت العراقيل أمامه، لكنه لم يتراجع. كان الهدف المتوخّى من القمة مع بوتين الشروع في تطبيع تلك العلاقات، ليكون أداة سياسية عليا يستخدمها ترامب لتجاوز متاعب التحقيقات في واشنطن، غير أن الوقائع الهلسنكية شاءت أن ينزلق مما وصفه بـ«مخاطرة سياسية» إلى «سقطة سياسية» هائلة ما لبثت أن سلّطت الضوء على «ما يمسكه بوتين ضدّه»، فالوسط السياسي الأميركي لم يعد قادراً على تفسير تصرّفات الرئيس إلا بأنه خاضع لابتزاز استخباراتي روسي، وإلّا لما بلغ حدّ التقليل من شأن دولته وأجهزتها، وهو أمر نادر بل مستحيل الحدوث أميركياً.

غداة القمّة أصبح الرئيسان مدركَين صعوبة حلّ قضية التدخّل الروسي في الانتخابات الأميركية أو تجاوزها، فهي مختلفة عن استياء واشنطن من قبول موسكو المنشق إدوارد سنودون لاجئاً لديها، وكان أوباما قد تعامل معه ببراغماتية، إذ التقى بوتين واستمرّت الدولتان تتحاوران وتنسّقان بالنسبة لسوريا وغيرها من الملفات، كما يحصل الآن ويمكن أن يستمر. لكن حين توصّل الوزير جون كيري ونظيره سيرغي لافروف إلى اتفاق يتضمن تنسيقاً عسكرياً وتبادل معلومات استخبارية، جاء الرفض مدوّياً من البنتاغون و«سي آي اي». لم يفكّر أوباما في تحدّي الأجهزة، وفي حال ترامب أصبح الصدام معها خطًّا أحمر، قد يحاول نقضه لكن التبعات ستكون خطيرة عليه.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة