أصل القصة في الأردن

أصل القصة في الأردن

سليمان جودة

القصة في أحداث الأردن التي ربما لا تزال جارية إلى الآن، ليست في أن حكومة رفعت أسعار بعض السلع، أو أنها تقدمت بمشروع قانون جديد للضرائب إلى البرلمان، فخرجت قطاعات من الناس في الشارع تحتج بالصوت العالي، وترفض، وتعترض… لا… القصة ليست هي هذا، ولكنها في مدى قدرة آحاد المواطنين، في أكثر من دولة عربية، وليس في الأردن وحده، على تحمل أعباء برنامج إصلاح الاقتصاد، الذي صار ضرورة في أكثر من بلد. ثم هي بالدرجة ذاتها في مدى ملاءمة روشتة الإصلاح التي يراها صندوق النقد الدولي، ويوصي بها، كلما ذهبت دولة من دول المنطقة إليه، تطلب المشورة وتسأل النصيحة، ومعهما تدعوه إلى مد يد العون والمساعدة!

ففي العاصمة الأردنية عمان، تقدمت حكومة هاني الملقي، الذي استقال على خلفية الأحداث، بمشروع قانون للضرائب إلى مجلس النواب، ولم يكن رفض المشروع من جانب المجلس جديداً، فما أكثر مشروعات القوانين التي تتقدم بها حكومات إلى برلماناتها فترفضها وتعيدها للحكومة لإلغائها أو تعديلها. ولكن الجديد في حالة الأردن أن الملقي قال في أثناء إرسال مشروع القانون إلى البرلمان، إنه – يقصد المشروع – من بين مطالب الصندوق، وإن الحكومة تريد إقراره والانتهاء منه سريعاً!

وكان هناك جديد آخر أهم، هو أن رئيس مجلس النواب أعلن رفض مشروع القانون، وقرر إعادته إلى الحكومة، ثم قال إن مجلسه يرفض الخضوع لإملاءات صندوق النقد، ويرفض أن يكون في حضن الحكومة، ويرى أن موقعه الصحيح هو إلى جوار الشعب!

ما أعجبني في الموضوع أن الطرفين كانا صريحين فيما يقولانه، دون محاولة لتسمية الأشياء بغير أسمائها، وأنهما لم يحاولا إخفاء شيء. فالبرلمان لم يجد حرجاً في إحراج الحكومة، ولم يكن إحراجه لها مقصوداً، ولا متعمداً، ولكن عن قناعة بأن البرلمانات مؤسسات منتخبة، ولأنها منتخبة فواجبها أن تكون دائماً إلى جانب ناخبيها، وألا تخذلهم، أو تتخلى عنهم، حتى ولو أدى ذلك إلى إغضاب الحكومة!
والطرف الثاني المتمثل في الحكومة، لم يشأ أن يداري أن الخطوات التي أقدم عليها، ذات صلة بمطالب الصندوق الذي يساعد حكومات عدة حول العالم في إصلاح اقتصادها، فيطلب أشياء في مقابل مساعدته، ويدعو الحكومة إلى الأخذ بها دون إبطاء!
السؤال هو: هل يتقدم الصندوق ليساعد، ويعين، ويبذل النصيحة، لوجه الله، أم أنه يفعل ذلك على أمل أن تدرك الحكومات التي طلبت مشورته ونصيحته، أنه ليس جمعية خيرية، وأن العمل الخيري داخل الدول ليس من بين مهماته، وأنه لا يُلزم أي حكومة بما ينصح به ويدعو إليه! إنه يوصي وفقط؛ ولكن لأن توصياته تكون في كل الأحوال مقترنة بقرض تطلبه الحكومة، فالارتباط بين وصاياه وبين دولاراته، يظل قائماً ولا يمكن الفصل بينهما؛ لأن الفلوس تخرج من خزينته مع وصايا محددة، ضمن باقة واحدة مرتبطة بعضها ببعض، لتؤخذ الباقة كلها، أو تُترك كلها، ولا بديل آخر في المنتصف!
وفي نهاية ستينات القرن الماضي وبداية سبعيناته، كان نقاش واسع قد جرى حول مدى مسؤولية الصندوق عن تداعيات نصائحه داخل الدول، وعما إذا كان مسؤولوه شركاء في هذه المسؤولية مع الحكومات، أم أنهم يغسلون أياديهم على الفور عند أول منحنى، ويتركون كل حكومة تواجه مصيرها مع مواطنيها بنفسها.
وكان هناك ما يشبه الإجماع بين خبراء القانون الدولي، على شيئين اثنين؛ أولهما أن الصندوق يجب أن يكون شريكاً في برنامج الإصلاح الذي يقره، وينصح به، من أول خطوة إلى آخر خطوة فيه، والشيء الثاني أن من حق الدول التي تتعثر تجربتها في إصلاح اقتصادها، بإشراف من الصندوق، ليس فقط أن تتوقف عن سداد ديونها المستحقة له، ولكن من حقها مقاضاته دولياً أمام المحاكم ذات الشأن!
ومنذ ذلك الوقت، لم يعد الصندوق يصف ما يدعو الدول إليه، بأنه مطالب منه واجبة الأخذ بها، ولكنه يحرص على تسميتها بأنها وصايا، أو نصائح، أو شيء من هذا القبيل. والمعنى أنه باعتباره جهة الإقراض العالمية الكبرى، لا يرغم حكومة على شيء، ولا يمسكها من يدها التي توجعها، ولا يضربها عليها، إنه فقط يوصي، وفقط ينصح، وفقط يشير، والباقي على الحكومة المعنية وحسب تقديرها للأمور!
والحقيقة أن الواقع يقول بعكس ذلك على طول الخط؛ لأن تجارب أكثر من حكومة مع الصندوق، خصوصاً في أميركا الجنوبية، تنطق بأن وصاياه ونصائحه ليست مضمونة النتائج، وأنها أدت في الغالب إلى خلق مشكلات اقتصادية وسياسية وشعبية كبيرة، وأنه يعمل في كل أحواله وفق سياسة تؤدي إلى أن يكون الاقتصاد المطلوب إصلاح تشوهاته، تابعاً لاقتصادات الدول صاحبة الكلمة النافذة في الصندوق نفسه!
وقليلة جداً هي الحكومات التي أصلحت اقتصاد بلادها، وأفلتت في الوقت ذاته من قبضة الصندوق، ومن مخالبه. وقد كانت حكومة مهاتير محمد، العائد هذه الأيام إلى حكم ماليزيا في الثانية والتسعين من العمر، من بين تلك الحكومات القليلة جداً التي نجت من عواقب نصائح الصندوق ومن تداعيات وصاياه!
إن فيه خبراء اقتصاد كباراً، هذه حقيقة، وهو يخطط لأعماله ومهماته في النصح والإرشاد، من خلال عقول اقتصادية فاهمة وعارفة ومحيطة بما تتكلم فيه، هذه حقيقة ثانية، وهو لا يبخل على حكومة بالنصيحة إذا طلبتها، هذه حقيقة ثالثة؛ بل إنه يردد على الدوام، أن إقدامه على الاتفاق مع أي دولة، هو دليل على تماسك اقتصادها، وعلى قدرته في المستقبل القريب، على أن يكون اقتصاداً معتمداً على ذاته، متكئاً على إمكاناته. يقول بهذا ويردده مع كل اتفاق جديد، على قرض جديد، لحكومة جديدة!
لكن المشكلة هنا مشكلتان؛ إحداهما أن مثل هذا المستقبل لم يحدث أن أتى أبداً، لا في المدى القريب، ولا في المدى البعيد. وإذا كان هناك مَنْ رآه يأتي، فالرجاء أن يشير لنا إليه. والثانية أن الصندوق وهو ينصح، ويوصي، ويقول، لا يكاد يفرق بين بيانات جافة، ونسب صامتة، وأرقام جامدة، مكتوبة على الورق أمامه، وبين بشر من لحم ودم، مطلوب تطبيق بياناته الجافة، وأرقامه الصامتة، وربما معادلاته الجامدة عليهم، وفي حياة كل واحد فيهم، دون مراعاة لأن هناك بالضرورة فرقاً بين البشر وبين الحجر!
هذه هي أصل القصة في أحداث الأردن، وفي كل أحداث مماثلة في أي بلد آخر. ولا تعرف في الحقيقة كيف ينصح الصندوق بالشيء نفسه، مع كل قرض جديد، ثم يتوقع نتيجة مختلفة!
لا تعرف، ولكن الصندوق بالتأكيد يعرف!

الشرق الأوسط

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com