اجتماع القاهرة الثلاثي: مقاربات لفك عقدة غزة

اجتماع القاهرة الثلاثي: مقاربات لفك عقدة غزة

عدلي صادق

لم يرشح شيء ذو دلالة، عن الاجتماع الوزاري الثلاثي، المصري الأردني الفلسطيني في القاهرة، يوم الخميس الماضي. وعلى الرغم مما ذكره الناطق بلسان وزارة الخارجية المصرية، في تصريح مقتضب، أن الاجتماع الذي ضم رؤساء المخابرات في الدول الثلاث، قد بحث قضايا المنطقة؛ فإن مقدمات الاجتماع وأسبابه وطبيعة انعقاده والمشاركين فيه، تؤشر إلى أن الموضوع الفلسطيني المتعلق بغزة حصرا، هو الذي كان محور المباحثات، لا سيما بعد الأحداث الأخيرة، واستفحال عقدة غزة. ثم إن الطرفين المصري والأردني، معنيّان بحل هذه العقدة، بحكم تداخل العنصرين الأمني والاجتماعي، في كُلٍ من مصر والأردن، وتأثرهما بالتطورات في فلسطين.

ومع وجود حسابات واعتبارات مختلفة، حيال موضوع غزة، لدى الأطراف الثلاثة: السلطة الفلسطينية ومصر والأردن، إلا أن مصلحة الجميع تظل واحدة. فإن كانت للقاهرة وعمّان، اتصالات مع الجانب الإسرائيلي، فإن للأولى أرجحيتها بحكم وساطتها في الخصومة الداخلية الفلسطينية، ووساطتها في كل مرة للتهدئة بين إسرائيل وحماس. وذلك لا ينفي قلق العاصمة الأردنية، وربما إسهامها في إعادة التهدئة إلى حدود غزة. فالقاهرة تطل على المشهد من زوايا ثلاث، بحكم اتصالاتها المفتوحة مع حماس، وهذا ما تفتقر إليه عمّان ورام الله. وهذا أيضا، ما يجعل أي صيغة تقترحها القاهرة لحل عقدة غزة، أمرا ينبغي أن يُصار إلى التوافق عليه بين الأطراف الثلاثة.

في الوقت نفسه، هناك ما يتوجب أن تسهم فيه الأطراف الثلاثة، لإعادة غزة إلى حال التهدئة المديدة، بحكم النواقص التي تبدّت انعكاساتها وتداعياتها، في مواقف الأطراف الثلاثة، كلما انفجرت الأوضاع في قطاع غزة.

أول هذه الأطراف، هو السلطة الفلسطينية نفسها، التي طرحت شروطا تعجيزية، رأتها حماس تمثل تهديدا وجوديا لها في غزة. فالسلطة الفلسطينية، أظهرت من خلال العديد من المواقف، عدم رغبتها في استيعاب المنطقة، لذا تعمدت رفع سقف شروطها وهي موقنة أن حماس لن توافق عليها، خاصة عندما يكون من بين الشروط نزع سلاح قوى المقاومة. والسلطة الفلسطينية، عندما سجلت محاولتها الرعناء لسحب التأييد الشعبي لقوى المقاومة، من خلال حصار القطاع وإفقاره وحرمانه من الخدمات؛ بدت ذريعتها غير منطقية، لا سيما عندما احتبست رواتب موظفيها الموالين لها، دون أن تتنبه إلى كون مثل هذه التدابير سلاح ذو حدين، ومن شأنها أن تُغذي التطرف، وتمنع تناقص التأييد لحماس نفسها، وهذا الذي جعل الرأي العام الفلسطيني في غزة، يميل إلى القول إن السلطة في رام الله لا تريد غزة، حتى ولو أخليت من عناصر حماس.

في الاجتماع الثلاثي، لا بد أن تكون نبرة الطرفين المصري والأردني بخصوص وجوب إنجاز المصالحة أعلى صوتا وجزرا للسلطة هذه المرة، بحكم الأبعاد الأمنية لاستمرار الاحتقان، على النحو الذي يؤثر سلبا على الأمن القومي المصري وعلى الشارع الأردني المتبرم من ارتفاع الأسعار. فاللعب على هذا الصعيد، ليس محصورا في الحارة الفلسطينية الضيقة.

ويمكن أن تُضاف للمحاذير الكثيرة من استمرار المواجهات مع الاحتلال الإسرائيلي، عوامل أخرى مقلقة، من بينها أن خيارات القتل وسفك الدماء من الجانب الإسرائيلي، تخلق مصاعب وتصنع غيوما كثيفة على مشهد سياسي إقليمي، يُراد له أن يصفو قليلا، للتعاطي مع صيغة الأميركيين الوشيكة الطرح، إن لم يكن خيار القتل عند إسرائيل، هو الذي سيتولى إفشالها حتى وإن كانت ما تسمى “الصفقة” قد صيغت أصلا لمصلحة إسرائيل. فعلى الرغم من ذلك سترفضها، بالسليقة، القوى الأكثر عنصرية وتشددا، التي تحكم إسرائيل.

فالأطراف الثلاثة التي اجتمعت في القاهرة، وجدت نفسها، وباعتبارها تتحرك سياسيا وأمنيا، من داخل مناخات التسوية المعطلة، مضطرة إلى تهيئة الأجواء للطرح الجديد. ومن خلال نظرة سريعة على المشهد الفلسطيني باختـلاف جغرافيته، نكـون بصدد جزء من الشعب، وهو الـذي في الضفة، تضمنه قبضتا إسرائيل والسلطة الأمنيتين، وجزء آخر، وهو الذي في الشتات، غائب، والجزء الثالث يمثل المشكلة التي يتعين على الأطراف الإقليمية والدولية كلها، تهدئته وإغواءه بانفراجات اجتماعية واقتصادية. لكن الذي يحدث حتى الآن، هو استمرار الضغوط على هذا الجزء من كل جانب، ما يؤكد على حاجة المسار السياسي المزمع، إلى نقلات نوعية في التعاطي مع غزة.

إن مسألة سلاح قوى المقاومة، يمكن حلها بالتأطير الدستوري لهذه القوى، في إطار ذي تسمية منطقية ومرضية. هكذا يفكر الجانب المصري، والأساس هنا أنه طالما الهدف هو تمكين الفلسطينيين من الحصول على كيانٍ وطني على أرض بلادهم، فمن حق أي كيان أن تكون له قوة دفاع مسلحة.

نحن هنا، نحاول وصف سياقات التفكير، وهي السياقات التي تخلفت عنها حتى الآن القيادة الفلسطينية، ومارست سياساتها دون أن تحسب برؤية استراتيجية، واتخذت تدابيرها دون أن تفكر لحظة في تداعياتها التي ستكون مشهودة في الإقليم، ومبعث قلق أمني لكافة الأطراف.

أما مصر، فقد وجدت نفسها، بحكم مقادير الجغرافيا، والمشكلة الأمنية التي تتهددها في سيناء، مع صلة حماس بجماعة “الإخوان” مضطرة إلى اجتراح صيغة للعلاقة بينها وبين حماس في غزة، وعندما وُجدت هذه الصيغة التي ساعد على إيجادها التيار الإصلاحي في حركة “فتح” بدافع الإحساس بواجب العمل على تخفيف الاحتقان الاجتماعي في غزة؛ استفادت مصر أمنيا وسياسيا، إذ ضمنت تأمين حدودها الشرقية، وفي الوقت نفسه، باعدت فعليا – ومهما كان الكلام المغاير- بين جماعة “الإخوان” في المحور القطري التركي وقيادة حماس في غزة. وهذه الأخيرة بدورها، تحسست كل المصاعب التي تعيشها غزة، وجزء كبير منها معطوف على حكمها لغزة نفسه. وبحكم ثبات علاقات مصر مع حماس، أتيح للقاهرة أن تلعب دور الوسيط المناسب، لإنجاز صفقة تبادل للأسرى.

لكن الذي ظل على القاهرة أن تفعله، هو إعادة معبر رفح البري وهو نافذة غزة الوحيدة إلى العالم، إلى سيرته الأولى مفتوحا طوال السنة على مدار الساعة، كما مطار القاهرة الدولي. إن مثل هذه الخطوة، ستساعد على تهيئة المناخ لانتعاش غزة اقتصاديا، على أن يُترك أمر الحل السياسي مع إسرائيل، رهن الإرادة الشعبية الفلسطينية.

لقد فعلت مصاعب الحياة التي واجهها الفلسطينيون فعلها العكسي، المضاد للتوجهات السياسية الواقعية. فالمحتلون الإسرائيليون ينكرون على الفلسطينيين أبسط حقوقهم، والفلسطينيون يتعرضون للضغوط من كل الجهات، والمحصلة السياسية هي ميل الضحايا إلى رفض لغة السياسة مهما كانت، أي أن النتيجة جاءت عكسية، وهذا هو محور النقاش الوحيد، الذي لا بد أن يكون الاجتماع الثلاثي في القاهرة، قد تناوله بحثا عن مقاربات للمعالجة.

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com