الأزهر والقدس.. وإسرائيل

الأزهر والقدس.. وإسرائيل

رضوان السيد

قبل ثلاثة أشهر، عقد الأزهر مؤتمراً إسلامياً كبيراً بعنوان: نُصرة القدس. وكان ذلك إثر إعلان الرئيس الأميركي اعتراف بلاده بالقدس عاصمةً لإسرائيل. وحضرتْ مؤتمر «نصرة القدس» شخصياتٌ دينيةٌ عربيةٌ وإسلامية، وشخصياتٌ سياسيةٌ على رأسها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي ألقى خطاباً لافتاً إلى جانب خطاب شيخ الأزهر، وشخصيات وجهات بارزة أُخرى. وتركزت الخطابات على رفض خطوة الرئيس الأميركي، وعلى عروبة القدس، وضرورة قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. وأعلن شيخ الأزهر عن اكتمال إعداد رصيد دراسي بالأزهر عن القضية الفلسطينية ليكونَ في صُلب المقرر في سائر ثانويات الأزهر وكلياته. كما أعلن عن تشكيل لجنة متابعة للمقررات. ودار نقاشٌ مفتوحٌ بشأن زيارة القدس تحت الاحتلال. فكان هناك من قال إنّ هذا الأمر غير جائزٍ لأنه بمثابة تطبيع. بينما رأى آخرون بينهم الرئيس الفلسطيني ومفتي القدس ووزير الأوقاف المصري الأسبق الدكتور محمود زقزوق، أنّ زيارة القدس واجبٌ تضامُنيٌ مع سكانها والشعب الفلسطيني بعامة في وجه الاحتلال والتهجير والتهويد.

ومنذ ذلك الحين تحركت جهاتٌ إسرائيليةٌ سياسيةٌ ودينيةٌ لمهاجمة الأزهر، تارةً باعتباره مُعادياً للسامية، وتارة باعتباره متطرفاً مثل «القاعدة» و«داعش»، وأخيراً بأنه يتدخل فيما لا يعنيه، ويتوافق مع المتطرفين!

ما عاد الصهاينة متعودين على تدخل الجهات الدينية العربية والإسلامية في مسائل القدس وفلسطين. فقد انهمكنا جميعاً، جهات سياسيةً ودينيةً، منذ عقدٍ وأكثر في عمليات مكافحة التطرف والإرهاب. ولأنّ هذه الانشقاقات في الدين وعلى الدولة هي من الهول بحيث أضعفت جانبنا وألْهتنا عما عداها، فإنّ الصهاينة ما ارتاحوا فقط للانفراد بالفلسطينيين، بل دخلوا أيضاً في الحملة العالمية على الإسلام والمسلمين. وقبل أيام مات المستشرق برنارد لويس، وهو الذي انهمك خلال السبعينيات في الحملة على العرب ولصالح إسرائيل، ثم جاءت مقالته «جذور الغضب الإسلامي» في الثمانينيات، والتي ذهب فيها إلى أنّ المسلمين سرى في أوساط شبانهم الغضب على مشارف الحداثة عندما وجدوا شعوبهم مستعمرةً من جانب الأوروبيين، وقد فشلوا في اللحاق بالتقدم الغربي، فلجأوا للراديكاليات والأصوليات والانتحاريات. واعتبر لويس إسرائيلَ رائدةً في نشر الديمقراطية بالشرق الأوسط، وفي حمل الرسالة الحضارية الغربية. وهكذا دخلت الصهيونية المسيحية والأُخرى اليهودية في برامج اليمين الاستراتيجي للحملة على الإسلام، تحت اسم الحملة على التطرف الإسلامي العنيف. ووجدت الجهات السياسية والدينية الإسلامية نفسها محاصرةً بين التطرف اليميني الغربي والإسرائيلي، والتطرف الإسلامي. وهذا هو معنى القول بأنّ الانشقاق الداخلي في الإسلام، والانصراف من جانب الجهات السياسية العربية والدولية إلى مكافحته، تركا الجهات السياسية والدينية العربية كالأيتام على مأدبة اللئام، باعتبار أنّ مهمتهم الوحيدة هي تحرير الإسلام من خاطفيه. كما ترك الفلسطينيين منفردين في مواجهة الصهيونية الغاشمة.

لقد كشف قرار ترامب بشأن القدس عن أنّ الصهاينة لا يستفيدون فقط من ترك الفلسطينيين وحدهم، بل يستفيدون أيضاً من تغير الأولويات لدى بعض العرب وبعض المسلمين الكبار. ففي الوقت الذي لا نستطيع فيه نحن أن نُهادن الإسلام السياسي أو الإسلام الجهادي حرصاً على ديننا ودولنا، فإن إسرائيل تستطيع ذلك، كما يبدو على الحدود السورية الإسرائيلية. وفي حين عمدنا نحن في العقدين الأخيرين إلى تهديد الغرب بأنّ الموقف غير المنصف وغير النزيه من جانبهم تجاه القضية الفلسطينية إنما يشجّع التطرف والإرهاب، فقد تبين أنهم يستطيعون التلاؤم مع هذا التطرف، من أجل الاستمرار في الضغط على دولنا.

وعلى أي حال، واستجابةً للتحدي الذي مثلتْهُ خطوة الرئيس الأميركي تجاه القدس وقضية الشعب الفلسطيني، عقد الأزهر مؤتمره من أجل نُصرة القدس، والذي اعتمد تجديد الوعي، وتجديد الاهتمام، والتفكير بطريقةٍ مختلفةٍ في قضيتي القدس وفلسطين. ما عاد الأزهر يخشى الاتهام بالتطرف الديني عندما يقول بأنّ القدس قضيةٌ دينيةٌ أيضاً، لأنّ من حقنا الصلاة في الأقصى، ومن حقنا زيارته. فهناك قضية الحرية الدينية، وهناك قضية الحرية السياسية للشعب الفلسطيني. والحريات الأساسية هذه لا تنفصم ولا تنفصل. وإذا كان هناك من يزعم أنّ الإصرار على إسلامية الأقصى يعني التطرف، فما الذي يقوله هؤلاء عن إرادة الصهاينة السياسية قبل الدينية لهدم الأقصى وإزالته، وتهجير سكان القدس؟

إنّ هجوم الصهاينة على الأزهر هو شهادةٌ له. واستعادة الوعي بالأولويات ضرورةٌ قصوى للاستقرار والاستمرار والتطلع إلى المستقبل.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com