زحف الجيش الليبي إلى درنة

زحف الجيش الليبي إلى درنة

عدلي صادق

توخّيا لاستعادة وحدة البلاد، وإدراكا لمخاطر القوى الساعية إلى الإطاحة بالدولة الليبية واقتسام ثرواتها وخلق كيانات هزيلة ومستضعفة؛ اتجهت قطعات الجيش الوطني الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر إلى غربي البلاد، لكي تخوض معركتها الأولى هناك، مع الجماعات الإرهابية المتطرفة، بمسمياتها الكثيرة التي لا يوحدها حتى كتاب الله، بهدف تخليص الشعب الليبي من كوابيس هذه الجماعات الفاقدة للقدرة على التعايش في ما بينها، ولا تعرف سوى التذابح في ما بينها، والإجهاز على مقومات الحياة الطبيعية لأي مجتمع يُبتلى بها.

فاتحة الوجهة الراهنة للجيش الليبي، في درنة الجبلية الواقعة على ساحل البحر، التي تحدها جنوبا سلسلة تلال الجبل الأخضر، وتجثُم الآن على أرضها الجماعة التي تسمّي نفسها “مجلس شورى مجاهدي درنة”. فهذه الجماعة، هي الأشد عداء لمشروع المشير خليفة حفتر، وقد فرضت على سكان درنة منذ اليوم الأول لسيطرتها، أعرافا صارمة لم يألفها سكان المدينة منذ فجر الإسلام. فقد تأسست هذه الجماعة من بعض العائدين من أفغانستان، وكان هؤلاء قد مارسوا الإرهاب خلال العشرية الأولى من القرن الراهن، ولما أجهز نظام معمر القذافي عليهم، غيروا تكتيكاتهم فتظاهروا بالتراجع وأعلنوا عن مراجعة أفكارهم، وعن الاعتذار للدولة، فأطلقت الدولة الليبية سراحهم، لكنهم عادوا إلى سيرتهم الأولى بعد الإطاحة بالنظام. ولأن السلطة والاستحواذ على الثروات وتأمين مناطق آمنه، هي أهداف مثل هذه الجماعات الضالة التي لا تحتكم إلى أي قيمة دينية أو إنسانية؛ فقد تذابح في درنة نفسها، منتسبو “مجلس المجاهدين” مع “تنظيم الدولة” الداعشي في العام 2015 وخاض الطرفان قتالا مريرا على المغانم الدنيوية، من السلطة والموارد، وفي تلك الحرب، أُعلن مجلس مجاهدي درنة الجهاد الإسلاموي، ضد الجهاد الشقيق، الذي يمثله تنظيم الدولة.

مهمة الجيش الوطني الليبي في غربي البلاد، ليست يسيرة، بحكم الاستطالات الخارجية لكل جماعة تدّعي “الجهاد” وتطمح إلى اقتطاع جزء من أراضي البلاد لنفسها، بدعم جهات خارجية طامعة، تمثل مرجعيات راسخة لها، بقطع النظر عن رطانتها وقوميتها ودينها وأهدافها الخبيثة. فما تتعرض له ليبيا، ليس إلا مؤامرة تستهدف وجود الدولة، وتمثل الجماعات المتطرفة، دور الطابور الخامس الخائن، الذي يخدم المؤامرة، وكل من هذه الجماعات يسعى إلى حصة ينتشي بها ويتقبل الحال الوضيعة، على حساب استقرار الشعب الليبي ووحدة بلاده.

يبدأ الجيش الليبي الوطني، معركة تطهير غربي البلاد، من النقطة التي بدأ فيها الابتلاء. فقد كانت درنة، هي المدينة الأولى التي تسيطر عليها الجماعات المتطرفة، وكان ذلك مع بدء العمليات المسلحة ضد نظام معمر القذافي. وبعد السيطرة مباشرة توالت الوقائع الصادمة: إتاوات و”محاكم شرعية” و”دواوين” وفوضى سلاح وكتائب ورايات سوداء. ولتعزيز السيطرة على المنطقة، استدعت سلطة الإرهاب، شذاذ الآفاق من الإرهابيين الأجانب من كل الجنسيات، ومن الفارين الذين يبحثون عن ملاذات آمنة، وأصبح الناس في حال الاختطاف.

وفي مرحلة وجود داعش، استعرض التنظيم في درنة، قواته الضخمة الناطقة بكل الألسنة، وأحسّ السكان بانسداد الأفق وبالشر المقيم. وتُركت درنة تلقى مصيرها في ذروة الحملة الدولية على الإرهاب، ورأى المحللون المتابعون، أن قوى دولية نافذة، تعمدت إتاحة المجال لنمو قوة داعش وشقيقه اللدود “مجلس مجاهدي درنة”. فالقوتان في حسابات القوى الدولية، ستخوضان، ابتداء، الحرب في ما بينهما، ثم تسيطر إحداهما على المنطقة، لتصبح “جهادية” درنة، مع جهاديات سواها من المدن والمناطق، عقبة كأداء تحول دون استعادة وحدة ليبيا، وتنفذ مخططات مرجعياتها المستترة، ضد الدول المجاورة التي يُراد ابتزازها سياسيا، من خلال الإرهابيين.

على الرغم من صعوبة الحملة العسكرية التي بدأها الجيش الليبي، ضد معاقل الجماعات؛ إلا أن قادة الجيش اختاروا الطريق الصعب. وفي موازاة حركة الجيش، تحرك اللاعبون من وراء الحُجب، فدفعوا مقاتلي داعش إلى العودة سريعا إلى مدينة سرت التي طردوا منها قبل نحو سنة ونصف السنة، وهذا واحد من أسطع البراهين على فداحة منهجية طرد داعش من منطقة إلى أخرى، بينما هو تشكيل تابع لتنظيم إرهابي، لا يستحق سوى أحد أمرين: إما إلقاء السلاح والتسليم والمثول أمام القضاء، وإما الاستئصال النهائي. فما يحدث حتى الآن، وقد حصل قبل أيام في ريف دمشق الشرقي، أن نُقل مقاتلو داعش في حافلات مكيفة إلى مناطق أخرى. لذا فإن تحرير سرت وبنغازي، ثم درنة لاحقا، لا يجتث الخطر طالما ظلت هذه المنهجية هي السائدة. وقد صدرت إشارات توحي بأن الجيش الليبي، عندما يحرر درنة، لن يتيح للجماعة المتطرفة التي سيطرت عليها، الانتقال إلى مناطق أخرى.

لا تزال مهام الجيش الليبي كثيرة وشاقة، حتى بعد أن ينتصر في معركة درنة. ذلك لأن الجماعات المضادة لوحدة البلاد، التي تلقى المساندة من مخابرات الدول وشركات البترول، لازالت تنتشر في العديد من المناطق الليبية، بل في العاصمة طرابلس نفسها، وسرت وسبها. أما مقاربات المصالحة الوطنية والتوافق على انتخابات عامة، فلا جدوى منها طالما بقيت على الأراضي الليبية أي سيطرة لأي تنظيم إسلاموي مسلح.

لا يزال الطريق طويلا للوصول إلى اكتمال شروط الدولة ذات السيادة على كل أراضيها، والضامنة للمساواة في المواطنة والتي تحتكر حصريا الحق في الإكراه نيابة عن المجتمع ولمصلحته وبالقانون. وبحكم أن شروط قيام هذه الدولة لم تُستوفَ، وأن الإرهابيين لازالوا موجودين، وأن دولا ومراكز اقتصادية ومالية ومجموعات طامعة، تتواطأ معهم، فإن كل محاولات رأب الصدع ستُمنى بالفشل، لذا فإن الجيش الوطني الليبي، سيظل الوسيلة والسلاح الأمضى لإنقاذ البلاد، ومن درنة، يبدأ الزخم الجديد في هذه الوجهة.

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com