«حزب الله» و«البوليساريو».. نموذج آخر لـ «تصدير الثورة» – إرم نيوز‬‎

«حزب الله» و«البوليساريو».. نموذج آخر لـ «تصدير الثورة»

«حزب الله» و«البوليساريو».. نموذج آخر لـ «تصدير الثورة»

عبدالوهاب بدرخان

كشفُ التعاون بين «حزب الله» اللبناني التابع لإيران وجبهة «البوليساريو»، ثم قطع المغرب علاقاته الديبلوماسية مع إيران، شكّلا عملية نموذجية متكاملة بجوانبها الاستخبارية والأمنية وبمخرجاتها السياسية، فضلاً عن دلالاتها بالنسبة للعلاقات بين الدول الطبيعية وغير الطبيعية. وقد استغرق اكتمال التحقيق والأدلة أكثر من عام كامل قبل أن يسافر وزير الخارجية المغربي إلى طهران ليلتقي نظيره محمد جواد ظريف ويسلمه ملفاً يحتوي كل المعطيات ثم يغادر ومعه السفير المغربي في طهران.

هذه حالٌ من حالات «تصدير الثورة» التي تنهجها إيران وتمحضها بـ«شرعية» دستورية. ومع أن الرباط عمدت إلى هذه الطريقة المباشرة والصريحة، وأعطت المسألة طابعاً «ثنائياً»، استبعاداً للتأويلات السياسية أو ادّعاءات بالافتراء، فإن الأطراف المعنية تحاول بلا جدوى استخدام سلاح النفي المطلق.

لم يسبق للرباط أن تسامحت مع أي طرف خارجي يتورّط بالتدخّل في ملف الصحراء، ورغم تأييدها وتضامنها مع دول الخليج عموماً ومع السعودية خصوصاً، لم تشأ أن تكون طرفاً في الصراع مع إيران. لكنها لم تتأخر في الردّ بحزم عندما أقحمت إيران نفسها في ما يمسّ أمنها. كما أن إعلان الرياض وأبوظبي والمنامة وعمّان والجامعة العربية تضامنها معها، لم يحلْ دون قولها أن لا علاقة لقطع العلاقات مع طهران بأي تطوّرات إقليمية ودولية، لكنه يأتي عملياً قبيل القرار الأميركي في شأن الاتفاق النووي، ووسط احتمالات صدام عسكري في سوريا بين الإسرائيليين والإيرانيين.

تقضي العلاقات العادية بأن تتخاطب الدول عبر القنوات الدبلوماسية، لكن في الحال الإيرانية قد يكون نفي وزارة الخارجية للاتهامات صحيحاً، فهي ربما لا تعلم شيئاً أو تعرف القليل عن أنشطة «الحرس الثوري»، أما أن يقول الناطق باسم الخارجية الإيرانية إن «أحد أسس ومبادئ» سياسة بلاده «عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى»، فلم يعد ذا مصداقية، ليس فقط بسبب كثرة التدخّلات بل أيضاً لكثرة إفصاح المسؤولين الإيرانيين عنها وحتى افتخارهم بها. ولدى تحليل نفي «حزب الله» نفسه يظهر جلياً أن عقلية الميليشيا هي السائدة، إذ اعتبر أن المغرب وجّه إليه هذه «الاتهامات الباطلة» بفعل «ضغوط أميركية وإسرائيلية»، وبذلك برهن «الحزب» أنه لا يعرف الكثير عن المغرب وقضية الصحراء التي ضُبط متلبساً في رمالها. أما جبهة «البوليساريو»، فألحّت على أن يعلن المغرب ما لديه من «أدلة» علّها تكتشف إلى أي حدّ هي مخترقة.

ولم يكشف المغرب إعلامياً كل ما لديه من معلومات، غير أن القليل المعلن يكفي، إذ بدأ التعاون بين «حزب الله» و«البوليساريو» بعدما تأسست في بيروت عام 2016 «لجنة التضامن مع الشعب الصحراوي»، وأُتبعت بزيارة مسؤولين عسكريين من «الحزب» إلى مخيمات «تيندوف» للتعرّف إلى احتياجات «الجبهة» لتطوير عملها العسكري تسليحاً وتدريباً وتعزيزاً لأساليب حرب العصابات، بالإضافة إلى تشكيل وحدات كوماندوس وحفر أنفاق في مناطق التماس، وتجنيد عدد من الصحراويين للقتال مع «حزب الله» في سوريا. لكنّ العنصرين الأهم في الملف أن «الحزب» أدخل أسلحة نوعية لم تكن «الجبهة» تملكها سابقاً، ومنها صواريخ «سام» مضادة للطائرات، وأن دبلوماسياً في السفارة الإيرانية بالجزائر «متورّط في تسهيل الاتصالات وتنظيم اللقاءات بين الطرفين».

ما حصل بعد القرار المغربي الحاسم هو أن كل الأطراف، راحت تجهد لترجيح رواية نفي الوقائع والتشكيك بها، سواء لإقصاء أي تبعات لاحقة أو لإبقاء الظروف مؤاتية لمتابعة «حزب الله» مهمّته كونها «تكليفاً جهادياً». وكانت السلطات المغربية قد أوقفت في مارس 2017 «قاسم محمد تاج الدين»، أحد كبار مسؤولي مالية «حزب الله» في أفريقيا، ومكّنها التحقيق معه من تأكيد ما لديها من معطيات وتوسيعها. وراح «الحزب»، انتقاماً لاعتقاله، يكثّف شحنات الأسلحة إلى «البوليساريو»؛ لذلك وجب التحرك نحو إيران نفسها لمطالبتها بمعالجة سلوك ميلشيا تُعتبر إحدى أبرز أذرعها. ومع أن هذه هي القطيعة الثالثة بين المغرب وإيران، فالأولى كانت في عام 1980 بعدما اعترفت طهران بـ«الجمهورية الصحراوية» التي أعلنتها «البوليساريو»، والثانية في 2009 على خلفية دعم المغرب للبحرين في أزمة اندلعت بينها وبين إيران وبعد اكتشاف المغرب خلية لـ«نشر التشيّع» مرتبطة بالسفارة الإيرانية.. إلا أن الهدف من القطيعة الجديدة ليس افتعال أزمة بل وقف التعاون المستمر بين «حزب الله» وجبهة «البوليساريو». ويتكامل النموذج المغربي إذا استجابت إيران بعد انكشافها المفضوح.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com