في غزة راية سوداء من دخان مسموم

في غزة راية سوداء من دخان مسموم

عدلي صادق

كل حدث يقاس بمدى تأثر الطرف الباغي به، وبمدى انعكاساته على العقل السياسي للقوى التي ساعدت على البغي، وبمدى إحراجه للأطراف التي يفترض أنها ظلت تحمل راية القضية، لكنها أسقطتها من يدها وحساباتها وسياقاتها.

بعد ظهيرة يوم الاثنين الماضي، كان موظفو السلطة الفلسطينية في قطاع غزة، في انتظار تسلّم ما تبقّى من رواتبهم بعد التقليص، إذ بدأ إخوانهم في الضفة الفلسطينية، يتسلمون رواتبهم التي لم يجر عليها أي تخفيض وهي حقهم، لكن رواتب موظفي غزة لم تكن في البنوك، وترافق ذلك مع تلميحات من رئيس السلطة نفسه، في جلسة سبقت يوم الاثنين بيوم واحد، أنه بصدد قطع كل شيء عن غزة، وتولّى آخرون من أجوائه، الإدلاء بتصريحات متناقضة، ودخلت غزة في عملية تخمين، حول الصرف أو عدم الصرف، وجاء ذلك كله بعد جمعتيْ مسيرات الأرض والعودة، السلمية التي ووجهت بنيران القناصة الإسرائيليين المزوّدين ببنادق محشوة بذخائر جديدة، من شأن الرصاصة الواحدة منها، التسبب في بتر الساق إن أصابتها.

الجمعة التي قبلها، سُميت “جمعة الكاوتشوك”. فقد جُمعت كمية كبيرة من الإطارات، لم يسبق لطرقات غزة أن شهدتها في زمن الاحتلال، وقد تقرر إشعال تلك الكمية عند بؤر الاحتشاد، وكان لذلك هدف ميداني مباشر هو حجب الرؤية عن القناصة، لكنه في السياق العام عمل أُريد منه تطيير الرسائل إلى اتجاهات عـدة.

إحدى هذه الرسائل، تقول إن الغزيين في حصارهم وخنق حياتهم وتعرضهم للموت البطيء من خلال الفاقة وشُح الطبابة وتلوث البيئة وعطالة الشباب وتفشي ظاهرة الانتحار، لا زالوا قادرين على صنع الحدث المدوّي، الذي يلخّص تاريخا طويلا، ويُعيد إلى الأذهان، بدايات واحدة من أهم وأقدم القضايا الراهنة على المسرح الدولي. فكل حدث يُقاس بمدى تأثر الطرف الباغي به، وبمدى انعكاساته على العقل السياسي للقوى التي ساعدت على البغيْ، وبمدى إحراجه للأطراف التي يُفترض أنها ظلت تحمل راية القضية، لكنها أسقطتها من يدها وحساباتها وسياقاتها.

لطالما أشبع الفلسطينيون وسيلة إحراق إطارات السيارات في طرقات غزة، بحثا ونقاشاً، وقد رجح الرأي الذي يقول إن إحراق الإطارات، من شأنه إيذاء مُشعليها وسكان غزة. لكن الإشعال هذه المرة جاء يؤدّي وظيفة أخرى، لا سيما بعد أن غلبت لدى المشعلين، توقعات الطقس وأن وجهة الرياح ستأخذها إلى الطرف الذي يمارس القتل ضد متظاهرين سلميين. في الوقت نفسه، أراد الفلسطينيون، الذين خسروا عشرين شهيدا في الجمعة التي قبلها، أن يرفعوا عاليا راية سوداء، تتشكل من دخان مسموم، كأنما هو مظهر الحداد والاحتجاج، وهذه بمثابة برقية قصيرة، تطرح موضوعاً أريد له أن يُنسى، على الرغم من كونه يتعلق بقضية عادلة وإنسانية ومشهودة، تؤيدها حقائق التاريخ المعاصر، وشرعية الأمم المتحدة، وشواهد الحياة اليومية.

فقد اضطر الحدث إلى دفع الأميركيين إلى التأمل في أصل الحدث وجـذوره. فهناك أناس اقتلعوا من بيوتهم وحقولهم، يريدون العودة إليها، وهذا منطق بسيط ويقع في قلب فكرة العدالة، ولا منطق في الانتقاص من وجاهته. والأوروبيون قرأوا الحدث فاستذكروا الظلم التاريخي، والإسرائيليون رأوا في الحدث تذكيرا بالفعلة الشائنة في العام 1948. فقد أعادتهم المسيرات إلى نقطة الصفر، بعـد أن تقدموا مسـافات معتبرة، على طريق التضليل، بل تقدّموا على هذه الطريق مسافات في الوعي الرسمي العربي. وهناك من بين الإسرائيليين من عادوا إلى بعض الحقيقة، وأدانوا جرائم جيشهم القديمة والجديدة التي طالت المسيرات. أما عُتاة المتطرفين الصهاينة، فقد أوقعت المسيرات فيهم ذعرا، عندما بدت الجريمة مكشوفة أمـام الأمم القريبة والبعيدة، وباتوا يفتشون عن وسيلة لتهدئة الناس في محشر غزة، لأن مثل هـذا الحدث، من شـأنه أن يتفاقم وأن يستولد أحداثا أخرى من نوعه وجنسه!

غير أن الذي تلا الجمعة الماضية، على صعيد القيادة الرسمية الفلسطينية، هو التصرف مرة أخرى، بمنطق الطرف الغائب عن الحقائق والاعتبارات الكثيرة التي تجعل خنق غزة وحرمان سكانها من حقوقهم، عملا محفوفا بالمخاطر. وكأن هذه القيادة الرسمية، ليست حاضرة ولا تسمع ولا تقرأ حتى الآراء الإسرائيلية في هذا المنحى. فالرجل الممسك بزمام الحكم، يتحدث عن عقوبات آتية ضد غزة، ويلـمّح إلى كون هذه العقوبات ستتفاقم قريبا وتصل إلى مرحلة القطع النهائي مع غزة. وذلك كله بذريعة أن حماس لم تسلمه غزة من الباب إلى المحراب، دون أن يكون هو قد بادر إلى خطوة لتسليم السلطة الفلسطينية إلى مؤسساتها الدستورية التي جرى إقصاؤها، وكف قبضة الأمن عن الناس في الضفة، وإنهاء التفرد والعمل على توفير العناصر التي تعطي الصدقية لفكرة الدولة التي يتداول هو نفسه ترديد اسمها والزعم بأنه يسعى إليها!

جاء التصعيد الجديد، وسط محاولات أطراف في الإقليم، احتواء ظاهرة مسيرات الجمعة في غزة، أي بمثابة عمل مضادّ لمحاولات التهدئة. ومن المفارقات، أن الرئيس محمود عباس، قبل القطع التام مع غزة، يلوّح بمعاقبة الموالين له أولاً، وهذا منحى يُقال بالسخرية المريرة والاستهجان، لا سيما من الوسطاء المصريين، الذين نصحوه مرارا بأن ما يفعله يؤجّج الأوضاع ولا يهدئها. فليس أصعب على أي مجتمع من الحرمان والفاقة والأوضاع التي تؤدي إلى الموت البطيء. فهذه أوضاع تفكك الدول المستقلة القائمة، فكيف بمجتمع يتطلع إلى الاستقلال والحرية. ولا يعلم الفلسطينيون بمشورة من يفعل عباس كل هذا الذي يفعله، لا سيما وأن آراء حتى الأعداء، تدعو إلى تسهيل حياة الناس في غزة ومكافحة الفقر فيها. فالعدو والأوروبيون والأشقاء العرب والأميركيون، يتحدثون عن مأزق المجتمع الفلسطيني في غزة، وعباس وحده هو الذي يريد الخنق والقطع وتدمير مشروع الاستقلال الفلسطيني.

والمعروف تاريخيا، أن غزة هي التي حافظت على الهوية الفلسطينية، ولم تُفرض عليها هويات أخرى طوال تاريخها، وسيكون القطع معها إعلاناً عن موت مشروع الدولة الفلسطينية وانهيار أمنيات الأجيال التي بذلت الدم على طريق الاستقلال الوطني. ففي هذا الخضم، أحرقت إطارات السيارات بأحجام مهولة، لكي ترفع بأدخنتها السوداء المسمومة راية سوداء. فالغزيون عاشوا على شاطئ بحرهم، ويستنكفون عن الأمواج. أما ربابنة قوارب الصيد، فإنهم يمتنعون عن الإبحار، كلما رأوا راية سوداء مثبته على الشاطئ بعمود من شجر الزيتون، تحذيراً من موج أعلى قادم.

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com