وماذا عن الأمم المتحدة: تذكارات من بابل اليوم

وماذا عن الأمم المتحدة: تذكارات من بابل اليوم
سمير عطا الله

لم أعد أذكر متى كانت آخر مرة ذهبت فيها إلى مبنى الأمم المتحدة. أذكر تمامًا أن أول مرة كانت خريف 1973. وكان يفترض أن أغادر عندما تهدأ الجمعية العامة بعد 3 أسابيع من بدئها في 16 سبتمبر (أيلول) كما في كل عام. لكن في 6 أكتوبر (تشرين الأول) عبر الجيش المصري قناة السويس، فيما الإسرائيليون يحتفلون بـ«يوم الغفران»، مكررًا تجربة 5 يونيو (حزيران). من الجانب العربي هذه المرة، باغتت القوات المصرية «جيش الدفاع الإسرائيلي» المحتل، ليس من الجو، ولكن في عملية عبور مذهلة. وتغيرت كل مشاريعي الفردية. سوف أبقى هنا من أجل أن أغطي ما اعتقدته بضع يوميات مثيرة، صارت محزنة عربيًّا. انتصار، ثم نكسة، لكنه لن يلبث أن يبدو مرحلة أخرى من مراحل التاريخ.

انتقلت حركة العالم من الجبهة إلى مبنى هيئة الأمم. ومن الحرب العسكرية إلى الحرب الدبلوماسية. ومن صورة العربي المهزوم عام 1967 إلى العربي المنتقم لهزيمته ولو إلى حين. ولم يعد كلام أنور السادات عن «سنة الحسم» منبعًا لنكات المقاهي؛ فقد بدأ بذلك دورة إجلاء الإسرائيليين عن كل أرض مصرية.

اكتشفت في الأمم المتحدة، بغير قصد، مفرقًا مهينًا. هنا، تستطيع أن ترى جميع أحداث العالم من دون الذهاب إليها، وجميع أحداث العرب من دون أن تذهب إليهم، أو أن يأتوا إليك، إلا من سعيت. لكن الخلافات والثورات كانت هنا أيضا، وعلى وجوه المندوبين الذين حَمَلوا تعليمات الكره. إنما كل ما عليك أن تفعله هو ما يفعله المبادرون بالخصام: تتظاهر بأنك في حاجة إلى نظارة للبعد.

صرت آتي كل خريف أعيش سياسات العرب وأحداث العالم. مهرجان من الرؤساء، ورؤساء الحكومات، ووزراء الخارجية يأتون دفعة واحدة لكي يشاهدوا ويُشاهدوا. لكي يصافحوا أو يُظهروا القطيعة والغضب. لكي يلقوا الخطب أمام قاعة مليئة أو خالية. كل وفد له حساباته حيال صاحب الكلمة التي تُلقى. أحيانًا يُرسل إلى حضورها كبير أعضائه، وأحيانًا جميعهم، وأحيانًا ينسى أن يقرأ جدول الخطباء. فمن يملك الوقت لمعرفة رأي توباغو في السلام العالمي؟

الأسبوع الماضي دعاني الزميل سمير صنبر، مساعد الأمين العام وأحد أبرز قدامى المؤسسة، إلى الغداء في المبنى الأزرق. كان الجو كئيبًا مثل رماديات نيويورك في الشتاء، كما وصفها جيمس ثوربر، الذي ترك المدينة لكي يعيش في الريف مع خيوله وعجوله. والمبنى التاريخي كان في ورشة بناء لا ورشة عمل سياسي. و«صالون المندوبين» أُدخلت عليه طاولات الكومبيوتر، لزوم العصر، لكن مقاعده الجادة سابقًا أصبحت بلون الضفدع الشهير «كيرمت» في عالم الألعاب الناطقة.

خطر لي أنه قد يكون من المستحسن استعادة بعض الذكريات والملامح من هذه المؤسسة التي يصعب علينا جميعا أن نقرر هل نحبها أو نكرهها. هل نريدها أو لا حاجة لنا بها. وما هي فائدة العرب الذين بدأت علاقتهم بها في قرار التقسيم، الذي لم يقسِّم فلسطين وحدها، بل لا يزال يقسِّم بين العرب، وبين الفلسطينيين، وبين دول العالم التي صوتت إلى جانبه.

إلى اللقاء..

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com