روح إثيوبية ننتظرها!

روح إثيوبية ننتظرها!

سليمان جودة

كان الظن أن ذهاب رئيس وزراء إثيوبيا السابق هايلى مريم ديسالين ومجىء رئيس وزراء جديد فى مكانه سوف يُسهل من التفاوض حول سد النهضة، وسوف يجعل الوصول إلى نتيجة من وراء التفاوض أمراً ممكناً.. ولكن تبين من جولة المفاوضات الأخيرة أن مثل هذا الظن لم يكن فى مكانه!

الجولة جرت فى العاصمة السودانية الخرطوم، الأربعاء والخميس، وحضرها وزراء خارجية الدول الثلاث، مصر والسودان وإثيوبيا، ورؤساء المخابرات فيها، وخرج إبراهيم غندور، وزير الخارجية السودانى، ليعلن، بعد تفاوض دام ١٨ ساعة، عدم التوصل إلى اتفاق!

كان ديسالين مراوغاً فى كل جولة سابقة، وكان إذا قال كلاماً فعل عكسه على الأرض، وكان إذا وعد بشىء جاء وعده على سبيل استهلاك الوقت.. لا أكثر.. وكان يستمتع بالتسويف، والجدل، والمماطلة، وإغراق الطرف الآخر فى التفاصيل!

وكان ذهابه فجأة بالاستقالة ومجىء رئيس الوزراء الجديد آبيو أحمد فى محله، من دواعى التفاؤل الذى أشاع أجواء من الأمل فى الوصول إلى حل!

وكانت الأجواء التى سبقت اجتماعات الأربعاء والخميس إيجابية للغاية، ولكن تصريحات غندور، ومعه وزير خارجيتنا سامح شكرى، عقب فض الاجتماعات، قد بددت إيجابية الأجواء.. ومع ذلك لايزال هناك أمل!

وإذا كان وزير الخارجية الإثيوبى قد جاء فى ظل رئيس وزراء جديد، ليقول فى اجتماعات الدول الثلاث ما كان يقوله نفسه، أيام رئيس الوزراء القديم، فالمعنى أن إثيوبيا تأتى إلى التفاوض بعقيدة سياسية واحدة فى الحالتين، وأنها لاتزال تغض البصر عن اتفاق إعلان المبادئ الذى جرى توقيعه من جانب رؤساء الدول الثلاث فى الخرطوم قبل ثلاث سنوات!

فلايزال هذا الإعلان دليلاً على مدى رغبة القاهرة فى التعاون لأبعد حد فى ملف ماء النيل، ولايزال يشهد بحُسن نوايانا تجاه إثيوبيا وتجاه موضوع السد ذاته، وكيف أن مصر ليست ضد سد النهضة، ولا ضد أى سد آخر تقيمه الحكومة الإثيوبية على النيل الأزرق الذى يجرى عبر أرضها، ويعطى النهر الخالد ٨٠٪‏ من موارده من المياه.. لسنا ضده من حيث المبدأ.. ولكننا ضد أن يتحول النيل من ميدان للتعاون والنفع المشترك بين الدول التى تقع عليه إلى ساحة من ساحات الحرب، أو الصراع، أو الإضرار بين الدول نفسها!

ومصر لا تتحدث هذه اللغة الواضحة من فراغ، ولكن لأن وراءها قواعد اتفاق إعلان المبادئ، وقواعد القانون الدولى معاً، ثم حقائق التاريخ التى لا يجوز القفز فوقها، لأنها تقول إن حصتنا من ماء النهر كانت كذا فى الماضى، وظلت كذا فى الحاضر، وسوف تبقى كذا فى المستقبل، وأن كذا هذه هى ٥٥ مليار متر مكعب سنوياً فى الحالات الثلاث، وأنها لا نقاش حولها، ولا فصال فيها!

كان شكرى يتوقع روحاً إثيوبية مختلفة على المائدة التى جلس عليها، وإلى جواره اللواء عباس كامل، رئيس المخابرات، ولكن الواضح مما قيل بعد الاجتماع أن روح ديسالين القديمة ظلت هى الحاضرة، ونحن نريد روح آبيو أحمد المختلفة، ولابد أن تكون مختلفة، لأن الهدف نفسه يمكن الوصول إليه بوسائل مغايرة.

المصري اليوم

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com