أيّ وعد يحمله شهداء فلسطين في يوم الأرض؟

أيّ وعد يحمله شهداء فلسطين في يوم الأرض؟

موسى برهومة

أيّ وعد يحمله الشهداء الذين سقطوا في الذكرى الثانية والأربعين ليوم الأرض الفلسطينية، وهل سيبقى الجسد الفلسطيني ينزف كلما حان موعد مناسبة وطنية، أو حلّت بالروح الشعبية ملامح يأس، أو دهمت المصير عواصف تقسيم جديدة لتفريغ القضية من معناها وتجريف التاريخ والحق معاً؟

حزن يختلط بالفخار يغلف المشاعر وهي تحصي عدد الشهداء الذين خضّبوا بدمائهم أرض فلسطين، وقاوموا بصدورهم العارية قوات الاحتلال الصهيوني من دون خوف أو وجل. وقد حملت المواجهات الأخيرة صورة فتى فلسطيني يحيط به الجنود من كل حدب وصوب، لكنه يقاومهم بثبات من دون أن تسقط الراية من يده. وتلك إشارة تمتلئ بأسباب الزهو الكثيفة في المخيلة الجمعية، وتستدعي صورة القائد جعفر الطيّار الذي ظل حريصاً على ألا تسقط الراية حتى بعدما قُطعت ساعداه.

لقد مضى المقاومون يربطون بين ذكرى يوم الأرض ويوم النكبة الذي يصادف في الخامس عشر من أيار (مايو) المقبل، وجعلوا الاحتجاجات الشعبية تصل بلا انقطاع بين المناسبتين، من أجل تكثيف الضغط على قوات الاحتلال، وإحداث انفراجة لمصلحة انبثاق انتفاضة جماهيرية واسعة تُسقط التسويات المحدقة بالقضية الفلسطينية، وتتجاوز حروب الفصائل.

ولكن، إلى أي مدى يستطيع برنامج المقاومة أن يصمد، وما الفاعليات التي يمكنها أن تستمر طوال هذا الزمن الذي هو ليس بطويل، فقد استمرت الانتفاضات والثورات الفلسطينية السابقة شهوراً وسنين. لكنّ الزمن الراهن اختلف، أو هكذا يتراءى لمن يراقب المشهد من بعيد.

هناك مقاربتان لشكل المواجهة المقبلة، إذا قيّض لخيار المواجهة أن يستمر من حيث المبدأ. المقاربة الأولى تقضي بإعادة منح الفصائل الفلسطينية بلا استثناء فرصة لتجديد حضورها في أوساط الشعب الفلسطيني، فتوائم بين شعاراتها وأدبياتها واستحقاقات اللحظة الراهنة، وهي لحظة غير مسبوقة من حيث التحديات والرهانات. والثانية، تتمثل في أن ينفجر الشعب على شكل هبّة عارمة يخرج، في غضونها، الناس إلى الشارع، ويكسرون أغلال الصمت، ويفرضون واقعاً لا يمكن القفز عنه يجبر إسرائيل والقوى التي تطبخ «الحلول» على الإصغاء لنبض الناس، كمقدمة لانبثاق قيادة شعبية غير حزبية لتنسيق الجهد الفلسطيني، وتجاوز الهياكل الفصائلية، وتقديم قيادات بديلة بأجندة سياسية واضحة ينخرط في صوغها أكاديميون وناشطون ومثقفون وعمّال وطلاب من مختلف المشارب والتوجهات الفكرية، بلا إقصاء أو استثناء. ويمكن أن يكون لفلسطينيي الخارج دور في هذه العملية التي تتوخى الكفاح السلمي بالدرجة الأولى، وتعمل على شل أدوات الاحتلال العنفية، ومدّ أشكال المقاومة لتشمل سائر وجوه العمل النضالي وتنويع الخيارات، وإطالة أمد هذا العمل لتحقيق أعلى قدر من المكاسب.

مواجهات يوم الأرض الأخيرة حملت عنواناً مؤثراً وذكياً: «مسيرة العودة الكبرى»، إذ تمّ من خلاله تأكيد حق الفلسطينيين في العودة إلى مدنهم وقراهم التي أجبروا على تركها عام 1948، وهذا أشدّ ما يزلزل الكيان الصهيوني، ويكشف هلامية الدولة التي أقيمت على وطن الفلسطينيين التاريخي. وثمة فرق بين الدولة أو الكيان، وبين الوطن.

16 شهيداً سقطوا، وأصيب أكثر من 1400 فلسطيني في مواجهات يوم الأرض التي خُطط لها أن تستمر لستة أسابيع تتكلّل بالذكرى السبعين لاحتلال فلسطين، وهي اللحظة القياميّة التي تهزّ كل حين الوجدان الكوني المتعاطف مع شعب تريد له «الشرعية الدولية» أن يتحول إلى هنود حمر جدد.

الصبر، والنفس الطويل، وتنويع الخيارات، وتكثير أشكال المقاومة، وتوزيعها على أكثر من منطقة في عموم فلسطين التاريخية، وإيجاد تنسيقيات لمسيرة العودة الكبرى، هي الكفيلة بأن تكون الانتفاضة الفلسطينية المقبلة منقطعة الصلة بسابقاتها التي سادها التخبط والعشوائية والنظر القصير، ولم يجنِ الفلسطينيون بعدها إلا شهداء ينضمون إلى القافلة الطويلة ممن وهبوا أرواحهم لقاء الحرية والكرامة والاستقلال.

الحياة

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة