ما اسم الوالدة؟

ما اسم الوالدة؟

إنعام كجه جي

من ألطاف وسائل التواصل الاجتماعي أنها تساهم في نشر ظواهر لم تكن مألوفة، مثل التصريح باسم الوالدة. وفي عيد الأم الذي مرّ قبل أيام، شمّر آلاف الفسابكة عن أذرعهم، والتقطوا الـ«سيلفي» مع أمهاتهم، ونشروا الصور على صفحاتهم، مع ذكر الأسماء كاملة. أما من عبرت والدته ضفة الدنيا إلى الضفة الأبعد، فقد بحث عن صورة قديمة لها وزيّن بها صفحته، مع عبارات عرفان مؤثرة، كأنه ردّ اعتبار جماعي لأولئك اللواتي حملن وولدن وربّين وسهرن وقلقن وداوين، ثم مضين بكل هدوء تاركات في شهادات الوفاة أسماءهن المُغيّبة والمنسيّة.

جرت العادة أن تنادى الأم باسم ولدها البكر، أم فلان. تعيش وتموت ولا يعرف الجيران كيف نوديت وهي طفلة في بيت والدها. وروت لي كاتبة كانت توقّع رواية لها في معرض للكتاب أن شاباً تقدم يطلب أن تهدي الكتاب إلى والدته لأنها من قارئاتها. ولما سألته عن اسم الوالدة، قال باستحياء: «اكتبي: إلى أم سامر»، لكنها أصرت على معرفة الاسم، وتلفّت الشاب حوله شاعراً بالحرج من الموجودين، ثم كتب كلمة على وريقة وطواها وأعطاها للمؤلفة، وخيّم فوقها مثل الخفاش خشية أن تقع عين على الاسم. وقد اعتدنا أن يخاطب الرجل امرأته بـ«أم فلان» وهما بين الناس، أو أن يناديها «يا بنت عمي» على طريقة مسلسلات الحارة السورية، لكن من اللافت للسمع أن يشير الزوج إلى زوجته بـ«الدكتورة»، فهل يكون اللقب العلمي أهم من مفردات الألفة والأُلاف؟

نقرأ مصطلح «الآنسة المصون» كريمة فلان الفلاني، في بطاقات الدعوة إلى الأعراس أو في أعمدة الصحف. نقول إن الحشمة جميلة والخَفَر مطلوب للأوانس، لكن الاسم ليس عيباً، وتاريخنا لم يغفل أسماء النساء، لا في الحضارات القديمة ولا في عصور الازدهار: سميراميس، نفرتيتي، مريم، بلقيس، خولة، رفيدة، بثينة، عبلة. وهناك قبائل عربية منسوبة إلى إناث، بكل رجالها وسيوفها وقصائد فخرها. ثم يأتي من يتعمد تجريدهن من هوياتهن في عصرنا الحديث. لم تقبل هدى شعراوي، الرائدة النسوية، أن تُختصر إلى «حَرَم علي شعراوي». ولن يستدل أحد على رائدة الشعر الحديث نازك الملائكة في حال مناداتها «أم برّاق». ولنتخيّل أن تُسمّى المعمارية الفذة زها حديد «أم غائب»، كما جرت العادة مع اللواتي لم ينجبن. أيكون الحق في التعريف حكراً على البارزات والمتفوقات دون عموم النساء؟

في بغداد، حيث نشأتُ، حمل الكثير من شوارع المدينة وخاناتها وتكاياها وجوامعها أسماء نساء: زبيدة وراغبة وهيبة وصديقة وسارة وعائشة ووفية وسعدة. هل هناك في الأعظمية من لا يعرف شارع سعدة في منطقة السفينة؟ أقام فيه مصطفى أبو طبرة، رسام جريدة «حبزبوز»، أشهر صحيفة عراقية ساخرة في القرن الماضي، أيام كان الكاريكاتير فناً جديداً يثير الدهشة. وسعدة، حسب المرويات، خبازة عذبة اللسان، كانت تبيع أرغفتها الساخنة في بسطة عند باب مقبرة الخيزران، أو تهبها للزوار وعابري السبيل. وطغت شهرة الخبازة في الشارع الذي لا يزيد طوله على أربعمائة متر، فصار يُعرف بها. ثم وضعت البلدية رقعة تحمل اسمها عند مدخله.
أسماؤهن بَرَكة. والبركة نعمة. والنعمة لا تُحرج صاحبها.

الشرق الأوسط

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة