بوتين يتفوّق على أوباما في خصاله القيادية

بوتين يتفوّق على أوباما في خصاله القيادية
خلف الحبتور

ليس من قبيل الصدفة أن نسبة التأييد للرئيس الروسي فلاديمير بوتين تتراوح عند حدود 87%، خلافاً لنسبة التأييد للرئيس باراك أوباما التي تسجّل أدنى مستوياتها على الإطلاق لتصل إلى 34%، وفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤخراً شركة «فرانكلين أند مارشال»، في حين أن 36% فقط من الأميركيين يدعمون سياسته الخارجية. تلك الأيام المحمومة عندما لقي أوباما استقبال نجوم الروك في برلين والقاهرة حاملاً رسالته «نعم، نستطيع»، أصبحت من الماضي البعيد.

الحقيقة هي أنه لم يستطع ولم يفعل، ففيما يتخبّط العالم في أزمات العراق وسوريا وغزة وأوكرانيا، ذهب قائد العالم الحر، كما يُسمّى، في عطلة والتُقطت له صور مع ابتسامة عريضة على وجهه في ملعب للغولف، بينما كان مكتب التحقيقات الفيدرالي يحذّر من أن تنظيم «داعش» يشكّل تهديداً محلياً خطيراً.

الإرث الذي سيخلّفه أوباما هو «أمّة في حالة تراجع»، كما قال أحد المحللين؛ ويتّهمه خصومه السياسيون عن حق بأنه يقود من الخلف. في عهد أوباما، فقدت القوة العظمى هيبتها. يحقّق نظراء أوباما في أوروبا أداء أفضل إلى حد ما في نسب التأييد، ما عدا المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل التي تحصد أرقاماً مرتفعة؛ واحد على الأقل من بينهم، وهو الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، يتخبّط مع نسبة تأييد لا تتعدى 17%.

وتكشف تلك النسب أن القائد يحتاج إلى أكثر من مجرد اللباقة في الكلام، وابتسامة هوليوودية، وبذلة مصمّمة على الطلب، كي يكون فعالاً. قد تساعد الكاريزما على الفوز في الانتخابات، لكن سرعان ما يرى الرأي العام أبعد من الواجهة ويطالب بنتائج ملموسة.

لا بوتين ولا ميركل يتمتعان بكاريزما طبيعية؛ فهو بارد وصارم ويعاني من نزعة ذكورية فظة، وهي غير أنيقة المظهر ورابطة الجأش وكلامها صريح ومباشر.

لكن كليهما يحظى بالاحترام لما يقومان به، ولتمسّكهما بما يؤمنان به. أثبت بوتين أنه من النوع الذي يحمي حلفاءه، ويساند أصدقاءه، وعندما يتّخذ قراراً يتمسّك به مهما كانت العوائق التي تعترض طريقه. وهذه خصال مثيرة للإعجاب لدى أي شخص، وأساسية كي يكون القائد ناجحاً.

إذا كنتم تعتقدون أنني عضو مأجور في نادي المعجبين بفلاديمير بوتين، اسمحوا لي أن أصوّب الأمور. أنا أكره شخصه كثيراً، فقد نجح في حشد مجموعة من الحلفاء المارقين، الذين استفادوا إلى حد كبير من جيشه وسخائه الدبلوماسي والاقتصادي. إنه لأمر مشين فعلاً أن روسيا تحمي الديكتاتور السوري الرهيب، بشار الأسد، المسؤول عن مقتل أكثر من 140 ألف مواطن من شعبه.

لا تستطيع البشرية أبداً أن تسامح الأسد على جرائمه التي ارتُكِبت بسلاح روسي الصنع. علاوةً على ذلك، إنه لأمر مخزٍ فعلاً أن بوتين يناصر جمهورية إيران الإسلامية التي تشكّل واحداً من أكبر المخاطر في المنطقة..

وتؤجج النزاعات الطائفيّة في سوريا ولبنان والعراق واليمن والبحرين. ولاءات بوتين ليست في محلّها، فهو يتحمّل مسؤولية إعطاء الأولوية للمصالح الوطنية ولعبة النفوذ الجيوسياسي، على حساب الأخلاقيات وأصول التصرّف.

في المقابل، يتحمّل أوباما مسؤولية اختيار الوقوف في الجهة المناسبة، لكنه يعود فيخذل أصدقاءه مراراً وتكراراً، لأنه يفتقر إلى شجاعة الدفاع عن قناعاته. لقد تخلّى الرئيس الأمريكي عن «الجيش السوري الحر»، أولاً عبر تجاهل مناشداته لتزويده بالأسلحة الثقيلة، وثانياً عبر العودة عن التزامه المعلَن بشنّ هجمات على المنشآت العسكرية التابعة للنظام السوري.

وصمّ أذنيه أيضاً عن طلبات المساعدة التي أطلقتها الحكومة العراقية قبل عام، من أجل القضاء على التهديد من جانب تنظيم «داعش»، الذي يوسّع انتشاره الآن ويستقطب مجنّدين جدداً ويُهدّد أمن العواصم الغربية. وكيف تعامل أوباما مع مقتل 2174 شهيداً فلسطينياً على أيدي إسرائيل في غزة؟

حيث أكّد مراراً وتكراراً أنه يحقّ لإسرائيل الدفاع عن نفسها! فضلاً عن ذلك، ألقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اللوم على أوباما لأنه أدار ظهره للمصريين، مضيفاً أنهم لن ينسوا ذلك أبداً. وهم لم ينسوه بالفعل، فقد أجرت مصر وروسيا محادثات حول التعاون العسكري، ووقّعتا صفقة أسلحة بقيمة مليارَي دولار أميركي.

ولم يحرّك أوباما ساكناً للتصدّي لقيام موسكو بضم شبه جزيرة القرم، ما عدا التذمّر وفرض عقوبات على روسيا، بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، لكن هذه العقوبات ارتدّت على أصحابها وسدّدت ضربةً قوية للاقتصادات الأوروبية.

ووسط الاتهامات بأن القوات الروسية «اجتاحت» شرق أوكرانيا لتعزيز القوة النارية للثوار الموالين لروسيا، ينظر الاتحاد الأوروبي في فرض مزيد من العقوبات القوية على روسيا، لكن من شأن هذه العقوبات أن تؤذي الجهة التي فرضتها أكثر من الجهة التي فُرِضت عليها.

كما كتبت فوهيني فارا في مجلة «نيويوركر» تحت عنوان «من يؤذي بوتين يؤذي نفسه». ينقل المقال عن رئيس الوزراء المجري فيكتور أوران، قوله بأن العقوبات ألحقت الأذى بالغرب أكثر مما فعلت بروسيا.

ففي حين تناقش واشنطن وبروكسل العقوبات الإضافية التي يجب فرضها على بوتين لدفعه إلى الإذعان، حظرت موسكو الواردات الزراعية من الغرب، ولم تهدر وقتها في العثور على مموّنين جدد متلهّفين للتعامل معها. وفي حال ساءت الأمور أكثر، قد تعمد روسيا إلى إغلاق خطوط أنابيب الغاز..

وبالتالي سوف ترتجف أوكرانيا وأجزاء من أوروبا من البرد في الشتاء. وفي سياق الآثار الجانبية لهذه العلاقة المتشنّجة، جدّدت موسكو وبيكين التأكيد على العلاقات بينهما عبر توقيع اتفاق بقيمة 400 مليار دولار أميركي، تقوم روسيا بموجبه بتزويد الدولة التي تضم العدد الأكبر من السكّان في العالم، بـ1.3 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً، بدءاً من عام 2018.

تاريخياً، نادراً ما تنجح العقوبات. ونظراً إلى عناد الرئيس الروسي، لن تنجح هذه المرة أيضاً في إقناعه بتغيير مساره. على النقيض، ستقوده على الأرجح إلى المجازفة بكل شيء، وشنّ هجوم شامل لاجتياح شرق أوكرانيا. في الأيام الأخيرة، برز بما يدعو للقلق، حديث بوتين عن أن روسيا دولة مسلّحة نووياً. في المقابل، يبدو أوباما ونظراؤه الأوروبيون مثل أولاد تنتابهم نوبات غضب عندما يأخذ أهلهم ألعابهم منهم.

فهم يزيدون الطين بلة في هذا المأزق الخطر، عبر توجيه الإهانات الشخصية، وتعزيز قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في البلدان القريبة من الحدود الروسية، والموافقة، في المبدأ، على طلب كييف الانضمام إلى الناتو، الأمر الذي اعتبره بوتين خطاً أحمر. ببسيط العبارة، أوباما وأصدقاؤه عاجزون عملياً عن ردع بوتين، إلا إذا كان الغرب مستعداً لإشعال شرارة حرب عالمية ثالثة.

باختصار، في حال أُرغِمتُ على الاختيار بين المهارات القيادية لبوتين الذي يفي بالتزاماته، وأوباما الذي يكتفي بالأقوال من دون أفعال على الأرض، لن أتردّد في اختيار الأول.

إذا صدف أن التقيت بوتين ذات يوم، مع أنه أمر مستبعد جداً، سأحيّيه قائلاً: «ربما لا أحب شخصك ولا أوافق على سياساتك، لكنني أكنّ لك التقدير لأنك تفي بالتزاماتك. لقد اتّخذت قرارات صعبة، وحده القائد القوي والواثق من نفسه يستطيع اتّخاذها، ولذلك كسبت احترامي».

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة