القاهرة يا سيادة الرئيس!

القاهرة يا سيادة الرئيس!

سليمان جودة

سوف يُحسب للرئيس أنه فكر يومًا فى طريقة تخرج بها الدولة من خنقة القاهرة ومن زحامها.. وسوف يُحسب له أن تفكيره فى هذا الاتجاه كان تفكير عملياً، وأن هذا التفكير العملى قد خرج إلى النور فى كيان اسمه العاصمة الإدارية الجديدة، وأن رهانه على هذا الكيان كان.. ولايزال.. كبيراً!.

سوف يُحسب له هذا، رغم أن أصحاب رأى فى البلد.. وكاتب هذه السطور من بينهم.. كانوا يرون أن الحكومة إذا خُيرت بين الإنفاق على عاصمة إدارية جديدة، وبين الإنفاق على التعليم، فإن التعليم لابد أن تكون له الأولوية المُطلقة دون تردد لحظة واحدة!.

ولم يكن في هذا الرأى أي تقليل من شأن فكرة العاصمة الإدارية الجديدة.. بالعكس هي فكرة مهمة دون شك.. وهي في ميزان الرئيس حين تكتمل دون جدال.. غير أن الموضوع كله يتلخص في أنها إذا كانت مهمة.. وهي كذلك.. فهناك ما هو أهم، إذا ما فكرنا فيها وفي غيرها، وفق فقه الأولويات!.

هذا كل ما في الموضوع!

ثم أعود لأقول إن الرئيس إذا كان سوف يُحسب له ما أشرت إليه فأتمنى أن يُحسب له في الوقت نفسه أنه انتبه بكامل وعيه الوطني إلى أن الاهتمام بتلك العاصمة لا يجوز أن يكون على حساب القاهرة، ولا خصماً من رصيدها لدى الناس، وأنه قد راح يوجه كافة أجهزة الدولة إلى أن تنتبه لذلك تماماً وتتصرف على أساسه، ثم راح يتابع بنفسه هذا الملف!.

فالقاهرة، يا سيادة الرئيس، تتعرض هذه الأيام لما لم يسبق أن تعرضت له في أي مرحلة من مراحل تاريخها، الذي يزيد على ألف سنة!.

فقبل سنوات كانت جماعات محددة تنشط في مختلف أحيائها، بحثاً عن أي فيلا من دور أو دورين، لشرائها بأعلى ثمن، وإقامة برج في مكانها فى لمح من البصر.. ولكن هذه الجماعات نفسها تنشط الآن في اتجاه آخر.. اتجاه شراء أي مبنى من أربعة أو خمسة طوابق، ثم تسويته بالأرض، وتحويله في شهور إلى برج يطاول السماء.. وكأن نسف فيلاتها لم يعد كافياً، فبدأوا في هدم كل ما هو أعلى من الفيلا بقليل!.

يحدث هذا حالياً فى همة عالية، وكأن هذه الجماعات التى تملك الكثير من المال مُكلفة بما تفعله تكليفاً.. يحدث هذا في غياب تام للأحياء التى من المفترض أنها أمينة على العاصمة، وعلى كل طوبة فيها.. يحدث هذا متجرداً من أي ذوق فى البناء، أو في الطلاء، أو في الارتفاع بالمباني إلى حدود لا يعرف أحد كيف جرى الترخيص لها على هذه الصورة القبيحة في مدينة اشتهرت مدى تاريخها بالجمال والبهاء!.

أما على مستوى شوارع القاهرة، ومستوى أرصفتها، ومستوى ميادينها، فالذين يتحركون فيها كل يوم يعرفون ماذا يجرى فيها وماذا يحدث!.

والخلاصة أن القاهرة.. القاهرة، التى غسلها القائمون على أمرها ذات يوم بالماء والصابون في كل صباح، تبدو يا سيادة الرئيس، في هذه اللحظة، وكأنها لا صاحب لها!.

وأخشى أن يكون هؤلاء الذين يعربدون فى أنحائها يتصرفون بوحي من أن اهتمام الدولة إنما هو هناك فى العاصمة الإدارية.. وليس هنا في قاهرة المعز التى كثيراً ما كانت ساحرة فى عيون الذين زاروها، وتعلقوا بها، وترددوا عليها، وفضلوها على باقى العواصم!.

وأتصور أن هذا لن يُرضي ضميرك الوطني، وقد كانت نشأتكم المبكرة في واحد من أحيائها العتيقة!.

المصري اليوم

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع