الحُور العِين والحافز الجنسي لـ »المجاهدين«

الحُور العِين والحافز الجنسي لـ »المجاهدين«

بعد فترة قصيرة من تلقيه مكالمة من ابنه في سوريا يوم 18 مارس الماضي، أعلمه فيها أنه سيموت شهيداً، ويدخل الجنة، ويتزوج حورية، تأكد والد حارس مرمى نادي »الزيتونة« التونسي لكرة اليد أحمد ياسين من نهاية ابنه، بعد أن نجح أصحاب الفكر الإرهابي في تحويل التزامه الديني إلى تعصب وتطرف، وإقناعه بالانتقال إلى سوريا عبر ليبيا ثم تركيا، للجهاد في سبيل الله، كما يزعمون.

هذه واحدة من حالات عديدة، أوردها الزميل صلاح الدين الشيحاوي في التقرير الذي أعده حول اختطاف الإرهاب لنجوم الرياضة من الملاعب، والزج بهم في ساحات القتال، ونُشِر في »البيان الرياضي« بتاريخ 18 أغسطس الماضي. وهي حالات تثير التساؤل حول الطريقة التي نجح بها المتشددون في استمالة هذا العدد من الرياضيين والتغرير بهم، وخطفهم من الملاعب إلى ساحات القتال، وتحويلهم من أصحاب مواهب خلاقة يمتعون جماهيرهم، إلى قاطعي رؤوس وإرهابيين يرعبون ضحاياهم من الأبرياء، ويتبارون في قطع الرؤوس، بعد أن كانوا يحلمون برفع الكؤوس.

في الحالات التي جاءت في التقرير، يلفت النظر أن أغلب هؤلاء المغرر بهم هم من فئة الشباب الواعد، وأن الوسيلة التي استخدمت في غسل أدمغتهم والتغرير بهم، هي الاستشهاد لدخول الجنة، وملاقاة الحور العين اللاتي ينتظرنهم في الدار الآخرة، كما قال أحمد ياسين في مكالمته الأخيرة لوالده. ومثل أحمد الكثير من الشباب الذين تم إغواؤهم بهذه الوسيلة للانضمام إلى الجماعات التي تسمي نفسها جهادية، والدفع بهم إلى ساحات القتال في العراق وسوريا وغيرهما من الدول العربية، وتفجير أنفسهم، للتعجيل بملاقاة الحور العين اللاتي سيجدونهن في انتظارهم على أبواب الجنة، فور مفارقتهم للحياة والانتقال إلى الدار الآخرة في هذه العمليات الإرهابية.

أسلوب الاستلاب والإغواء هذا الذي ينجرف إليه مع الأسف بعض مشايخنا ومحدثينا على المنابر الدينية، يسيء إلى الإسلام أكثر مما يخدمه، ويضع الهاجس الجنسي على قمة اهتمامات المسلمين وهم يقومون بأداء واجباتهم الدينية، في الوقت الذي نعلم فيه جميعاً أن الإسلام جاء ليطهر العقول والنفوس من الأدران التي علقت بها عبر عهود طويلة من الجاهلية، ولم تكن مهمة محمد صلى الله عليه وسلم، سهلة وهو يحاول تغيير فكر جاهلي، زُيّن للناس فيه ((حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوَّمة والأنعام والحرث))، كما نقرأ في الآية 14 من سورة الأنعام، التي ختمها المولى عز وجل بقوله ((ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب)).

في ظل هذا المنهج الراقي في التعامل مع الشهوات التي وضعت الآية الكريمة حب النساء على رأسها، نعتقد أن تعامل بعض مشايخنا وأحاديثهم التي يتم تناقلها هذه الأيام بسرعة البرق، عبر الواتس أب ووسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، وتركيزهم على عدد الحور العين اللاتي ينتظرن المسلم الصالح في الجنة وأوصافهن، لا يخدم الإسلام بالقدر الذي يتصورونه، وإنما يصور المسلمين على أنهم كائنات مهووسة بالجنس، وأن ما يؤدونه من عبادات ما هو إلا نظير هذه المكافأة التي يركز عليها بعض المشايخ تركيزاً يخرج بهذا الدين عن الإطار الروحي السامي الذي انبنى عليه، إلى إطار حسي بشري بحت.

مع عدم إنكار أن الإسلام ليس دين رهبنة، وإنما هو دين حياة وواقع، لا يضع الإنسان بين خيارين لا ثالث لهما، وإنما يمزج بين الروح والجسد، ويقرر لكل منهما احتياجاته، دون أن يطغى جانب على جانب.

منهج الاستلاب هذا هو الذي جعل الجماعات المتطرفة تستغل ذكر ووصف الحور العين في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، لإغواء الشباب المسلم واختطافه من ساحات الحياة إلى ساحات الموت، والزج به في معارك بين المسلمين، تُهدَر فيها دماؤهم، وتُخرَّب ديارهم، وتُحرَق أرضهم، بينما ينعم عدوهم بالأمن، وترزح فلسطين، التي كان من المفروض أن تكون هي ساحة المعركة، تحت الاحتلال، وينقسم الجهاديون المزعومون إلى »قاعدة« و»داعش« و»نصرة«.. وغيرها من المسميات والجماعات التي يجمع بينها استهداف الشباب المسلم في كل أنحاء العالم، وإغواؤه بالحور العين اللاتي ينتظرنه على أبواب الجنة، وتفرق بينها المصالح أكثر مما تفرق بينها الغايات السامية النبيلة التي تدعيها، وتزج بهذا الشباب المغيب في أتون المعارك باسمها.

في تقرير البيان الرياضي أسماء عديدة لمواهب رياضية، من المغرب وتونس ولبنان وليبيا والعراق.. وغيرها من الدول العربية، نبغ بعضها في الغرب الأوروبي، وكان يمكن أن يكون لها مستقبل واعد، لولا دعاة الشر من ذوي الأفكار المتطرفة، الذين امتدت أياديهم إليهم فأقنعوهم بأنهم يسيرون في طريق مظلم، وأن الرياضة التي يمارسونها حرام، وأن منهج حياتهم مخالف للشريعة، وأن السبيل الوحيد لنيل رضى الله هو الجهاد في سوريا والعراق وليبيا.. والدول العربية الكافرة في فكرهم المتطرف!

وكانت وسيلتهم الأولى لاستمالة هؤلاء الشباب، هي أحاديث الحور العين التي يركز عليها بعض مشايخنا بحسن نية، وتستخدمها هذه الجماعات المتطرفة بسوء نية، كأنما المسلم كائن جنسي لا يفكر إلا بنصفه السفلي. وهي صورة لا تمثل الدين الإسلامي الحنيف الذي جاء لتطهير النفوس والأبدان، كما أن هؤلاء المتطرفين لا يمثلون المسلمين الحقيقيين، مهما كبرت عمائمهم وطالت لحاهم وقصرت أثوابهم، كما يظهرون في الصور والفيديوهات التي يروجون فيها لأنفسهم، فتزيدنا ابتعاداً عنهم، مثلما تزيدهم أفعالهم ابتعاداً عن الإسلام وقيمه العليا وتعاليمه السمحة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com