«البداية والنهاية».. بالإذن من ابن الأثير

«البداية والنهاية».. بالإذن من ابن الأثير

يبدأ الزعيم مسيرته رجلا فوق العادي بقليل. ثم يكتشف يوماً بعد يوم أن ذلك لا يكفي، فيروح يبحث، هو وصنّاع صورته، عن درجات أعلى. إنها لعبة لا نهاية لها. كل يوم يجب أن يبحث الصنّاع عن تفوق أو تميُّز جديد. ومن دون أن يدروا ينتهون إلى رصفه في مراتب الآلهة.

أول من يتعيَّن عليه تصديق هذا الاختلاف، هو الزعيم نفسه. في البداية يعرف نفسه تماماً ويُدرك أين هي ضرورات المبالغة. ثم يغرق في الإطراء وينتشي ويقرر أن الإدراك أمر سيئ. اعطِ الجماهير ما تريد. والجماهير تريد أن تصطف أمام رجل الخوارق، وقد أتاحتها مجموعة من المشاعر، الإعجاب والخوف والشك والتقدير والتساؤل. وعندما يتغلَّب عليها الجزء العاقل من المشاعر، تَصرِفه عنها فوراً، وتهتف.

تتجاوب الجماهير طوعاً مع رغبة الزعيم وصنَّاعه في تخدير نفسها. تعرف تماماً أن نيكولاي تشاوشسكو كان صانع أحذية، لكنها تريد أن تصدق أنه أصبح اليوم قائداً ملهماً. وبعد مسيرة من الخدر والهتاف يقف الرجل خطيباً في عشرات الآلاف كالمعتاد، وفجأة، ينقضّون عليه فيولي هارباً من الباب الخلفي. ويلقى النهاية التي يلقاها عادة هذا النوع من الآلهة: رصاصة في الرأس، باسم الشعب، وكومة من القش.

الشعب الذي سار خلف موسوليني إلى الحرب علَّقه من ساقيه. وبدل أن يواجه هتلر المحاكمة أطلق هو تلك الرصاصة على رأسه. مسيرة مشابهة من البداية إلى النهاية: بداية متواضعة، فتأليه، فنهاية صاعقة ومذلّّة. يضطر الزعيم إلى قتل الرفاق والخصوم من أجل البقاء. يبدأ أولاً بالَّذين يرفضون الاعتراف بألوهيته. بالذين يعرفونه راسباً في المدرسة ومعدماً في القرية ومرهوباً بين الرفاق.

يدلق الصنّاع على صورته كل الألوان وكل الأوصاف مرفقة بالمعجزات. يفتح الزعيم مخزنا خاصاً للصرف على ألوهيته فوق البشرية. صحيح أنه كان ينزل من الصحراء إلى الجامعة في سيارات المتلطفين، لكنه أصبح الآن «رسول الصحراء». ولو اكتفى بالقول إنه مجرد ملازم قفز على الفرصة، فمن سيتبعه ويترك له التحكم في المصائر والضمائر.

اختلف الشيوعيون والنازيون والفاشيون على كلِّ شيء، والتقوا في صناعة الزعيم. لينين قلَّد خطيب الثورة الفرنسية ميرابو، موسوليني قلّد لينين وهتلر قلّد موسوليني. تخرج الناس في عطلة رسمية وتتسلى وتهتف شاعرة بنشوة مثل نشوة القات أو الزراعة اللبنانية.

تبدأ هذه الصناعات في كذبة وتنتهي في مأساة. يموت الزعيم في فظاعة وذل ويهرب صنّاعه إلى المخابئ وملاذات العار أو المحاكم. وهذه ترفع شعار القانون. وغالبا ما تكون مثل «دولة القانون».

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com