العمليات في سيناء ومنطق هجائها

العمليات في سيناء ومنطق هجائها

عدلي صادق

كان متوقعًا قبل انطلاق العملية العسكرية المصرية في سيناء، لإخلاء شبه الجزيرة -خاصة شريطها الساحلي الشمالي الشرقي- من الإرهابيين، أن تبدأ حملة مناوئة للنظام الذي أطلقها، بزعم أن الأمر كله محض خيار دعائي لتخليق مأثرة للرئيس عبدالفتاح السيسي لتمرير انتخابات لا منافس قويا له فيها. فلم يكن هناك أقرب إلى الأذهان بالنسبة لمن يناوئون من تعليل العملية العسكرية بهذا المنطق.

علما بأن الإرهاب في سيناء ظل حتى الدقيقة الأخيرة قبل بدء العملية، حجة على النظام، ما يجعل الهجوم الشامل، حجة له حُكما فضلا عن كونه واجبا على نظام أي بلد يُصاب بهذه الآفة ويُلام على تقصيره فيها.

فقد بدا لافتا أن مهاجمي العملية العسكرية، ومعظمهم من المعارضين الذين لجأوا إلى الغرب، تعمدوا الزج بإسرائيل بطريقة مجافية للحقيقة، والزعم أنها تشارك في العمليات بسلاح الجو، وهذه محاولة ساذجة لجعل كل حركة وكل تدبير في سياق التصدي للإرهاب، معطوفاً على علاقة مسكوت عنها بين إسرائيل ومصر، ليصبح المعنى الضمني لما يقولون إن إسرائيل بريئة من جريمة وجود الإرهابيين على مقربة منها، وأن ما تدعيه من استنكار له، حقيقي وجاد.

في أية قراءة موضوعية، لأسباب انتشار المجموعات التكفيرية في شمالي سيناء، ستفرض مظنة السبب الإسرائيلي لهذا الانتشار نفسها، إن لم نقل إن البرهان يتبدى جليا لمن يعقلون. ففي مثل هذه القراءة يؤدي التاريخ دوره مع الأمثلة والقرائن الدالة على أن إسرائيل لها مصلحة في كل إرهاب يضرب في الأقطار العربية.

فلا يختلف اثنان في أن شبه جزيرة سيناء كانت على مر التاريخ في موضع الأهمية الاستراتيجية الكبرى لمخططي السياسات الإمبراطورية القديمة حيال المنطقة العربية، وكذلك في حسابات راسمي خطط العمليات في الحربين العالميتين، الأولى والثانية. بل إن إسرائيل، عندما احتلت سيناء في حرب 1967 أطلق جنرالاتها عليها وصف “قبضة الفولاذ”.

وفي مفاوضات كامب ديفيد عام 1978 كان موضوع سيناء عقدة كبرى بالنسبة لإسرائيل التي تمسكت بالسيطرة الاستراتيجية عليها حتى اللحظة الأخيرة.

وبعد كل الضغوط الأميركية للتوصل إلى اتفاقية مقبولة لإسرائيل، قُسمت شبه جزيرة سيناء إلى ثلاثة شرائط طولية، واحد بمحاذاة قناة السويس وفيه فرقة مشاة ميكانيكية بلواء مدرع واحد، وثان في وسط سيناء، وفيه لا يُسمح لمصر بدفع قوات عسكرية تزيد عن كتائب بعجلات مدرعة وناقلات جنود، وثلاث كتائب دفاع جوي متوسط وتقليدي. والثالث بمحاذاة النقب حدود غزة، تقرر ألا تتواجد فيه سوى قوات الشرطة وحرس الحدود بأسلحة خفيفة مع وجود قوات دولية في سيناء.

وبالنظر إلى مألوف السلوك العسكري الإسرائيلي نعلم أن إسرائيل تراقب حدودها وتستبق كل خطر بالتدخل من الجو على الأقل. لكن ما جرى منذ بداية ظهور الإرهاب عند حدود مصر الشرقية في سيناء، دل على رضا إسرائيل عن تنامي الإرهاب في المنطقة وضلوعها فيه.

فالجندي الفرد، وليس الخبير العسكري، يعرف أن الإرهابيين عندما يستعرضون في بداية نشاطهم الإجرامي قوتهم المسلحة، آمنين، ويتظاهرون بـ600 سيارة من سيارات الدفع الرباعي، محملة بالعناصر المسلحة والرشاشات الثقيلة، على بعد مئات الأمتار من حدود النقب وعلى مرأى من الجيش الإسرائيلي، تكون في الأمر خيانة.

وقد عُرف مؤخرا أن إسرائيل وضعت عينها على المنطقة، لكي تصبح عبئاً على مصر، يسهل إقناعها بالتخلي عنها، لتوسيع غزة وحل القضية الفلسطينية على حساب الأراضي المصرية.

فهل تكون عندئذ سيناء ليست “قبضة الفولاذ” ولم تعد هناك قيمة للتوصيفات الاستراتيجية القديمة الجديدة للمنطقة، أو لم يعد ينبغي أن يكون هناك دور لمحطات الإنذار المبكر وقوات الأمم المتحدة، لا سيما وأن الإرهابيين أصحاب رؤية أيديولوجية متطرفة، يُفترض أن العدو الأول لأصحابها هو إسرائيل التي تحتل القدس؟

طوال سنوات النشاط الإرهابي في شمالي شرقي سيناء، كان المصريون يفتقرون إلى قوة الردع المسلحة والأنساق العسكرية القادرة على تطويق بؤر الإرهاب.

ويبدو أن هذا الوضع الذي أدمى القوات المسلحة المصرية والسكان، قد استحث مفاوضات غير معلنة عنها شارك فيها الأميركيون وأطراف دولية، لكي تصبح إسرائيل أمام خيارين: إما أن تُعتبر رديفاً للإرهاب تؤمن له هوامش المناورة والدعم اللوجستي وتسمح له بالأكمنة الثابتة واختيار خطوط حركته، وإما أن تثبت براءتها منه فتعترف بحق المصريين في دفع قواتهم إلى المنطقة.

يزعم مناوئو النظام المصري أن إسرائيل تشارك في العمليات بسلاح الجو. وهذا زعم قاصر لأن مصر لا تفتقر إلى القوات والطائرات، كما أن قوة الإرهابيين الذين أصبحوا مضطرين إلى الأخذ بأسلوب الاختباء والاحتماء بالسكان لا تحتاج إلى حلف عسكري من عدة دول للقضاء عليهم.

إن العملية العسكرية المصرية في سيناء هي واجب أمني مُلح، يلام النظام على عدم أدائه، ومن العيب أن يلام على البدء به.

بل من الطبيعي أن يكون قرب إجراء الانتخابات الرئاسية سبباً للتعجيل بأدائه، ليس بسبب تخليق مأثرة لمرشح الرئاسة، وإنما لتخليق مأثرة للبلاد ونوع من الاستقرار الأمني الذي هو شرط طبيعي لإجراء انتخابات.

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎