رئيس وزراء الهند في رام الله

رئيس وزراء الهند في رام الله

عدلي صادق

وصل ناريندر مودي رئيس وزراء الهند إلى رام الله السبت، تحت عنوان الزيارة الرسمية لفلسطين. وتأتي هذه الزيارة، بعد زيارة نتنياهو إلى نيودلهي في منتصف الشهر الماضي التي استغرقت خمسة أيام، أستُقبل فيها بحفاوة. وكانت المسألة اللوجستية، المتعلقة بوصول مودي إلى رام الله، لم تُحسم تفصيلا، حتى الساعات الأخيرة الماضية، بحكم عدم وجود مطار في الأراضي الفلسطينية. فليس الأردن، ضمن برنامج الرحلة التي ستشمل سلطنة عُمان ودولة الإمارات العربية المتحدة. وكان يمكن الانتقال من العاصمة الأردنية، لو إنها مشمولة بالرحلة، لكي يحط مودي في رام الله بمروحية أردنية. لذا فقد أصبحت إسرائيل هي ممره في زيارته إلى فلسطين، بعد زيارته الحميمة لإسرائيل في يوليو الماضي.

في زيارة يوليو إلى المنطقة استنكف مودي عن التعريج على رام الله التي تبعد عن المطار الإسرائيلي 15 دقيقة بالسيارة، على الرغم من استباق عباس الزيارة الأولى لمودي، كأول رئيس وزراء هندي يُستقبل في تل أبيب؛ بزيارة (عباس) إلى الهند، لتحميله رسالة سياسية طال انتظار جوابها.

هنا يتوجب التذكير بالعوامل التي تجعل الهند في مرحلة حكم الحزب اليميني الهندوسي صديق إسرائيل، وبعد المضي بخطى حثيثة لإبرام اتفاقات عسكرية واستخبارية واقتصادية كبيرة معها؛ معنية بالحفاظ على علاقاتها مع الفلسطينيين وتصوّت في الأمم المتحدة، ضد قرار دونالد ترامب، الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها.

هناك خمسة عوامل، جعلت حكومة مودي، غير معنية بالقطع مع الفلسطينيين ومجافاة القضية الفلسطينية على النحو الذي يوافق قناعات نارندرا مودي، وغير معنية بالانقلاب على محددات العلاقة الهندية الفلسطينية التقليدية، التي ازدهرت في مرحلة منظمة التحرير الفلسطينية وزعيمها ياسر عرفات، الذي جمعته برؤساء حكومات الهند من أسرة غاندي وحزب المؤتمر، علاقات ود عميق.

أول هذه العوامل هو أن السياق الحالي للسلطة الفلسطينية و”المنظمة” يتسم بالبحث عن التسوية لا البحث عن سواها، وهذه هي لغته ومقاصده، ولا تثريب عليه ولا إدانة من أي طرف في العالم. فلا يؤدي هذا السياق إلى حرج حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم. والعامل الثاني، أن التصاق الحزب اليميني الحاكم بإسرائيل، وإنكار الطرف الفلسطيني وقضيته، من شأنهما إحراج الهند كدولة لها مصالحها في العالم العربي وإيران، أهم شريك تجاري لها في آسيا. العامل الثالث أن السعودية هي أكبر مورّد للبترول إلى الهند.

والعامل الرابع أن 220 مليون هندي مسلم، يشعرون بخيبة الأمل، للتطورات المتسارعة في العلاقات الهندية الإسرائيلية على كل صعيد، ما يجعل الحكومة الهندية الراهنة، في موضع النقد من قبل هذه الملايين المعتبرة. أما العامل الخامس، فهو النقد المستمر من قبل حزب المؤتمر الهندي، لانقلاب مودي على رؤية المهاتما غاندي للمشروع الصهيوني في فلسطين، وهو انقلاب غير محبب لدى منتسبي هذا الحزب، وقطاع واسع من الهندوس على تقاليد السياسة الهندية.

كان المخرج الذي رآه رئيس حكومة الهند مواتيا، هو الحفاظ على علاقة مع الفلسطينيين الذين اعتمدوا سياسة ما دون الحد الأدنى. فلو كان الأمر يتعلق بمنظمة التحرير، وهي تتبنى أسلوب الكفاح المسلح، لما كان مودي مستعدا للاستمرار في العلاقة معها، لا سيما وأنه يدين لإسرائيل بالفضل في إنجاح تجربته، كرئيس لوزراء ولاية غوجارات في شمالي غرب الهند، بعد ضلوعه في مجزرة ضد المسلمين عام 2002. فقد فتح الإسرائيليون الثغرة الأوسع في الهند، من خلال هذه الولاية، وكان لهم الدور الكبير في نموها وتفشي المشروعات الاستثمارية التي بدأت بمشروعات تلقى استجابة وترحيبا من السكان، كتنقية المياه والتوسع الزراعي، فسجلت الولاية أعلى نسبة نمو بلغت 10 بالمئة سنوياً متفوقة على ولاية كارناتاكا الصناعية السياحية. بنموذج غوجارات راجت تجربة مودي وانفتح أمامه فضاء السياسة في عموم الهند، لكي تتمدد رؤيته في طول البلاد وعرضها.

ليس أيسر على رجل كهذا من أكلاف العلاقة مع السلطة الفلسطينية، التي تنحصر سياسيا في التماشي مع طروحات فلسطين الرسمية، سيما في المسائل التي ينقلب فيها الأميركيون على قواعد العملية السلمية، أو يدك الطيران الإسرائيلي بيوت غزة بطائرات الميدان الحديثة. فعندما أعربت أوساط حكومة نتنياهو عن عتبها لتصويت مندوب الهند ضد قرار ترامب بشأن القدس، سرعان ما أجاب الهنود بأن التصويت مسألة جزئية وعابرة، لا تُقاس بزخم علاقات الهند مع إسرائيل.

إن الأكلاف المادية لعلاقة الهند مع السلطة الفلسطينية، زهيدة ورمزية، تمثلها اتفاقات تعاون بالحد الأدنى، كبناء مدرسة أو مركز تقني، مع بعض منح دراسية في جامعات فرعية، ومليون دولار سنوياً لمنظمة “أونروا” لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين.

أما الوسط السياسي الفلسطيني، فتُبهجه الاستقبالات وفرش السجاد الأحمر وعزف الموسيقى، بينما العزف الثقيل، الذي يجري على خط الشراكة الاستراتيجية مع إسرائيل، في أقبح مراحل تاريخها وأسوأه سلوكا.

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة