الرسالة الجديدة.. السيسي وعبدالله بن زايد في جدة

الرسالة الجديدة.. السيسي وعبدالله بن زايد في جدة
محمد فهد الحارثي

تتوالى الأحداث في المنطقة، بشكل يؤكد غياب العمق الاستراتيجي لقيادة قاطرة العالم العربي، والتناغم بين الرياض وأبوظبي والقاهرة، ربما يكون المخرج الممكن للوضع المتردي في العالم العربي.

إن استمرار نزيف الدم في سوريا وانفلات الاوضاع في العراق وكارثة حرب غزة، تبين بوضوح أن الوضع العربي يسير بخطى متسارعة من سيئ إلى أسوأ، والخطورة الأكبر في نشوء الحركات الإرهابية الجديدة، التي تحاول ان تطور منظومتها لتصبح في مصاف الدول، كحركة داعش والنصرة.

وكان هناك رهان على أن مجلس التعاون الخليجي سيلعب دورا قياديا لحماية المنظومة العربية، بحكم أنه الكيان الوحيد المتعافي من الأزمات، والبعيد عن الاضطرابات الداخلية، لكن عدم قدرة المجلس على خلق انسجام سياسي بين أعضائه أضعف قدراته، وظهر التباين الواضح في المواقف السياسية المتعارضة، مما أفقده الدور السياسي المؤثر.

وسيظل هذا الخلل بصمة سوداء في تاريخ هذا الكيان السياسي، المتجانس في كل شيء ماعدا السياسة. وانعكس هذا الضعف العربي في تنامي الادوار السياسية لدول الجوار مثل إيران وتركيا، وهما المنظمتان داخليا، سياسيا وعسكريا. والأخيرة استطاعت أن توجد لها دورا مؤثرا وتسعى للعب دور الممثل للقيادة السنية على مستوى العالم الاسلامي، فيما استطاعت إيران لعب أدوار سياسية وأصبحت المؤثرة الأولى على صانعي القرار السياسي في العاصمتين الأموية والعباسية؛ دمشق وبغداد.

كل هذا يحدث والخلافات السياسية بين الدول العربية تشل قدرتها على اتخاذ قرار سياسي مؤثر، في حين يبدو بوضوح أن مصر هي المحور الاساس في أي نظام عربي مقبل، فهي تاريخيا وحاضرا تمثل العمق السياسي والثقافي والعسكري للعالم العربي.

وكان الموقف السعودي والإماراتي في دعم مصر وقيادتها الجديدة، قرارا حاسما له تأثيراته على مستقبل العالم العربي ككل.

واستطاع هذا الموقف ان يحمي مصر والمنطقة من الانزلاق إلى هاوية مجهولة النتائج، فغياب مصر هو غياب للعالم العربي وخلل في نظام الأمن العربي ككل. وزيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى السعودية التي تزامنت مع زيارة سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية الإماراتي، تعطي رسالة بأن مرحلة التناغم بين هذه العواصم تتطور إلى قرارات موحدة ومشروع سياسي مشترك، وتترقب عواصم كثيرة نتائج هذا العمل السياسي المشترك.

إن تردي الوضع العربي يجعل مسؤولية هذه الاطراف مصيرية، خاصة ان ظاهرة الارهاب اصبحت تشكل تحديا كبيرا، وتنامت خلاياه السرطانية في اكثر من مكان. ولولا ضعف النظام العربي وهشاشة الحكومات القائمة في تلك الدول، لما استطاع الارهاب ان يخترق هذه الدول ويحتل مدنا ويعلن تأسيس دول.

ومن الواضح أن الفراغ السياسي في النظام العربي الذي كان أحد إفرازات ما يسمى بالربيع العربي، وتراجع الدور الامريكي في المنطقة من منطلق ترك مشاكل المنطقة لأهلها، أوجد خللا جسيما ومساحة أكبر للجماعات الارهابية.

وقد كانت السعودية سباقة في دعوتها لإنشاء مركز دولي لمكافحة الارهاب، من منطلق أن مشكلة الارهاب ليست محلية او طائفية، بل هي مشكلة دولية ولا بد من تضافر جهود كل الدول في مواجهتها، وللأسف يبدو أن هذه الدعوة لم تترجم إلى واقع ملموس حتى الآن.

وحاليا بدأت مصر تستعيد دورها، ومن الخطأ لأي دولة أن تسعى إلى تهميش الدور المصري، سواء في القضايا العربية او في حرب غزة. فمصر في مواقفها تنطلق دائما من موقف ملتزم تجاه القضايا العربية، ومن الصعب التشكيك في دولة ضحت بأبنائها وقدراتها في حروب من اجل القضايا العربية.

واذا كان الوضع الاقتصادي المصري له تأثير على دورها السياسي، فإن دعوة خادم الحرمين الشريفين لعقد مؤتمر دولي لدعم الاقتصاد المصري، خطوة مهمة ويفترض ان تساهم فيها كل الدول القادرة، لأن دعم مصر هو دعم للاستقرار الأمني والسياسي في المنطقة.

إن الحديث عن عمل سياسي مشترك بين الدول الثلاث، ليس بديلا عن جامعة الدول العربية، ولكن في ظل غياب الجامعة وشبه اختفاء لدورها، فالحل هو عمل مؤسسي بين هذه الدول يغطي هذا الغياب.

والشعوب العربية تحمل ذاكرة سيئة لفكرة المحاور التي كانت تزيد من حدة الاستقطاب في المنطقة، بدلا من خدمة قضاياها. كما أن التاريخ العربي المعاصر مليء بالمشاريع السياسية الفاشلة، سواء المشاريع الوحدوية التي كانت حبرا على ورق، أو المجالس السياسية المشبوهة مثل مجلس التعاون العربي الذي تأسس في 1989 بين العراق ومصر والأردن واليمن، وانهار بعد دخول القوات العراقية إلى الكويت.

الذاكرة العربية موجوعة بأحداث رسخت الصراعات الطائفية والحروب المذهبية والخلافات الحدودية، وأصبحت الاجتماعات العربية مجرد مسكنات لأوضاع وأزمات حادة، وتكررت عادة قمم التصالح العربية التي ما إن تنتهي حتى تبدأ أزمات جديدة، وتتكفل دول عربية بلعب دور الوساطة لتقريب الخلافات.

وهذا المسلسل الطويل، أفقد المواطن العربي ثقته في الاجتماعات والمشاريع السياسية العربية.

ولهذا فإن مشروع العمل السياسي المشترك للسعودية والإمارات ومصر، لا بد أن يستند إلى عمل مؤسسي يضمن استمرارية هذا المشروع ومتانته، والشفافية مع شعوبه لمعرفة توجهات المرحلة المقبلة، وفتح المجال لانضمام دول أخرى في هذا المشروع الذي يخدم المواطن العربي ومستقبله.

الشعوب العربية لم تعد تتحمل المزيد من التجارب والمراهنات، والعمل السياسي العربي يحتاج إلى العقلانية والواقعية السياسية البعيدة عن الانفعال والعاطفة. المرحلة الحالية هي مرحلة مبادرات كبيرة، تقود العمل العربي المشترك ولا تكتفي بمراقبته.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com