عفرين.. والحسابات الصعبة!

عفرين.. والحسابات الصعبة!
Turkish army howitzers fire from a military post on the Turkish-Syrian border in Hatay province, Turkey January 20, 2018. REUTERS/Osman Orsal

عبدالوهاب بدرخان

تعرّضت روسيا، كما الولايات المتحدة، لاتهامات بأن كليهما «باعت الأكراد»، على طريقتها، لكن الاتهام تركّز أكثر على روسيا، كونها سهّلت العملية العسكرية التركية في منطقة عفرين، شمال غربي سوريا، إذ كانت أرسلت إلى عفرين فريق مراقبين رفع العلم الروسي فيها منذ مارس 2017 ووضعها بالتالي على خريطة نفوذها وتحت حمايتها، لكن وجود مقاتلين أكراد أتراك من «حزب العمال الكردستاني» (بي كي كي) في عفرين ومحيطها، إلى جانب مقاتلي «وحدات حماية الشعب» التابعة لـ«الاتحاد الوطني الديمقراطي» (ب ي د)، وهو الفرع السوري لذلك الحزب، أعطى تركيا ذريعة حماية أمنها القومي لأن المنطقة حدودية ومتداخلة بأراضيها، أما انخراطها بالتفاهم مع روسيا في خطة ضبط الوضع الأمني في محافظة إدلب المتاخمة لتلك المنطقة فمنحها الذريعة الثانية، وهي صعوبة التحرّك في إدلب على تماس مع طرفَين كرديين تعتبرهما «إرهابيَين»، وعلى رغم أن هناك تصنيفاً دولياً سابقاً لـ«بي كي كي» بأنه إرهابي فإن الدول المتدخلة ولا سيما روسيا وأميركا لا تبدو مهتمّة به.

عندما سحبت روسيا فريق مراقبيها من عفرين لتتفادى إصابة أي من أفراده بالقصف التركي، بدا ذلك قبولاً بالعملية العسكرية، ولو أنها وضعت شروطاً منها عدم اجتياح عفرين نفسها من جانب الأتراك وقواتهم الرديفة من «الجيش السوري الحرّ» وعدم قصفها جواً، وبالتالي اقتصار العملية على محيط المدينة. وليس مؤكّداً أن تلتزم أنقرة هذا الشرط، إلا إذا رُتّب انسحاب للمقاتلين الأكراد عبر ممرات تسيطر عليها قوات النظام السوري والميليشيات الإيرانية، ولا يريد الأكراد الانسحاب، بل يطالبون بعودة النظام إلى المنطقة، وهو خيار تحبذه موسكو إلا أن تطبيقه في الوضع الراهن يشكّل تعقيدات إضافية، إذ أن تركيا لوّحت بالانسحاب من اتفاقات أستانا وإنهاء ضمانها مع روسيا وإيران خطة «مناطق خفض التوتّر» الأربع، ولكن موسكو تعوّل على تركيا في إدلب، وهي واحدة من تلك المناطق، وكذلك في المراحل التالية لخطط إنهاء الأزمة السورية سياسياً. والأهم أنها تريد مواصلة اجتذاب تركيا وتغذية خلافها المتصاعد مع الولايات المتحدة.

وهكذا شعر الأكراد بأنهم خُذلوا واستُغلّوا، وهو أمر تكرّر في تاريخهم القديم والحديث، إما بتقاطع مصالح الدول أو بسبب أخطائهم. وفي أي حال، فإن طموح إقامة كيان خاص (أو دولة) للأكراد في سوريا فرض نفسه مع الدعم الذي تلقّوه من الأميركيين لقاء مقاتلتهم تنظيم «داعش» في الرقّة وبعض نواحي ريف حلب الشمالي، أما مدّ هذا الكيان إلى البحر المتوسّط ليشمل منطقة عفرين فافتقد إلى الواقعية، كونه يفترض ضمّ مناطق عربية وليس له سند تاريخي لما يسمونه «دولة كردية»! ولعل انتشارهم في الشمال الشرقي، من محافظة الحسكة إلى معظم محافظة الرقّة وبعض محافظة دير الزور، عزّز طموحهم وقد طمأنتهم الولايات المتحدة بإعلانها استمرار وجودها في سوريا وعزمها على إنشاء جيش من ثلاثين ألف جندي لحراسة حدود منطقة سيطرتهم تحت راية «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي تضمّ أقلية عربية صُوَرية. إلا أن عملية عفرين التركية أعادت وضع هذا الطموح قيد الاختبار، خصوصاً أن الموقف الأميركي انطوى على موافقة غير مباشرة على التحرّك التركي.

لكن خلاف الأتراك مع الأميركيين لم يكن على مشكلة عفرين التي عالجوها مع الروس، بل على «تسليح الأكراد وإقامة دولة لهم»، كما تقول أنقرة، التي تعتزم مدّ عمليتها شرقاً إلى منبج (تحت الحماية الأميركية) كحدٍّ أدنى، وإلى الحدود العراقية كحدٍّ أقصى. وكانت عملية «درع الفرات» التي خاضتها تركيا في 2016 بوساطة «الجيش السوري الحرّ» طردت «داعش» من غربي النهر، ولكن الأميركيين منعوها من الوصول إلى منبج، وهي مدينة عربية تشهد حالياً توتّرات بين السكان والقوات الكردية، ولا شكّ أن إصرار تركيا على ضمّها إلى منطقة نفوذها يعني بوضوح اصطداماً مباشراً بالأميركيين، وإذ وضعت أنقرة علاقتها الاستراتيجية مع واشنطن على المحك اتصل الرئيس الأميركي بالرئيس التركي لمطالبته بإخراج منبج من مشروعه لقاء «منطقة آمنة» تشرف عليها الدولتان في شمال سوريا، أي أن دونالد ترامب لم يشر لما يشغل رجب طيّب أردوغان من تسليح وإقامة دولة للأكراد، وبالتالي فهم الأخير أن أميركا ليست بصدد تبديد مخاوفه ولا تريد الاعتراف بنفوذ تركي في سوريا. وما دام الروس والأميركيين يحتاجون إلى تركيا في هذه المرحلة فهي تسعى إلى انتهاز اللحظة الراهنة وتلوّح بالتوجه إلى منبج حتى مع احتمال الاصطدام بقوات «قسد»، أي بالأميركيين عملياً.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com