ترامب بين إيران وكوريا الشمالية! – إرم نيوز‬‎

ترامب بين إيران وكوريا الشمالية!

ترامب بين إيران وكوريا الشمالية!

عبدالوهاب بدرخان

في الأسبوع الأول من السنة، أثار كتاب «نار وغضب» أسئلة خطيرة عن السلوك الشخصي لدونالد ترامب وتأثيره في سياساته وقراراته، وفي الأسبوع التالي ارتكب الرئيس الأميركي خطأ شنيعاً بوصفه بلداناً مصدِّرة للهجرة إلى أميركا وصفاً غير لائق، وكأنه يؤكّد التشخيص الذي أورده مايكل وولف في كتابه. غير أن تقويم «الإيكونوميست» للعام الأول من ولاية ترامب، وإنْ لم يبتعد كثيراً عن تقويم وولف، لفت إلى أن الرئيس ماضٍ في تغيير أميركا وسياساتها والصورة التي عُرفت عنها طوال عقود مضت، سواء في التحوّلات التي يفرضها على مفاهيم العدالة التي تبنّتها وطبّقتها، أو في منظومة القوانين التي يبنيها لإغلاق أبواب اللجوء والهجرة. وبالطبع يمكن إضافة نهجه في معالجة الأزمة مع كوريا الشمالية، واستراتيجيته الباحثة عن شركاء دوليين لمواجهة إيران، وخبطته العشوائية المؤذية بالنسبة إلى الحسم أحادي الجانب لقضية القدس.

عندما تصف الأمم المتحدة تصريحات لرئيس أميركي، خلال اجتماعه في البيت الأبيض مع أعضاء في مجلس الشيوخ، بأنها «عنصرية»، فضلاً عن كونها «صادمة» و«مخزية»، فهذا لأن إهانة ترامب بلداناً وشعوباً تجاوزت حداً أخلاقياً غير مقبول في نظر القانون الدولي. وعندما يصدر الكلام عن رئيس مرّت بلاده بقرون من الصراعات الاجتماعية بسبب التمييز العنصري، فهذا ينمّ عن استهتار بالقيم الإنسانية والمواطنية التي جهد تعايش بيض أميركا وسودها لبنائها واعتناقها. صحيح أن ثمة بيئات ظلّت على تطرّفها لدى الجانبين، إلا أن أحداً لا يريد أن تستعيد أميركا مراحل قاتمة من تاريخها لمجرّد أن رئيساً يدين لأقصى اليمين العنصري بإيصاله إلى البيت الأبيض. وكان ترامب قد تلقّى تحذيراً داخلياً بسبب فلتات لسانه وموقفه الملتبس من مواجهات في تشالوتسفيل، والآن تنهال الإدانات والتحذيرات الخارجية لأن «اللهجة القاسية»، كما سمّاها، تترجم عنده بقوانين. لذلك قال النائب السابق للرئيس جو بايدن: «ليس هكذا يجب أن يتكلّم الرئيس ويتصرّف، خصوصاً ليس هكذا يجب أن يفكّر الرئيس».

لعل الظاهرة الأكثر إقلاقاً هي أن أسلوب ترامب ونهجه لا يجمعان حوله حلفاء وشركاء رغم حاجته إليهم، سواء في السياسات الداخلية أو الخارجية، بل سواء حتى عندما تكون هذه السياسات صحيحة في عناوينها ومضامينها. هذا ما أظهرته مثلاً وقائع التوتّر مع بيونج يانج، فالعالم كلّه يدين التسلّح النووي الكوري الشمالي، لكن يستحيل على أميركا تأديب هذه العربدة النووية من دون إرادة مشتركة تجمعها مع روسيا والصين. غير أن انهيار احتمالات الصفقات الكبرى أو الشاملة مع فلاديمير بوتين أو شي جين بينغ، الأول بسبب فضائح التدخل في الانتخابات الرئاسية، والثاني لأن النفوذ التجاري والاستراتيجي لبلاده يتعاظم، أطاح كل توافق. بل إن العكس هو الصحيح، فالروس والصينيون يستخدمون كيم جونغ أون كاختبار شائك لأميركا، أو كفزّاعة نووية تتطلّب من ترامب مجازفة كبيرة للقضاء عليها. والوقع أن هذا الانسداد ينسحب عملياً على الصرعات التي تخوضها أميركا أو بالأحرى تريد أن تقودها.

في يوم الغضب العالمي على تصريحاته المهينة لبلدان وشعوب، أعلن ترامب عقوبات جديدة لكيانات وأفراد، بينهم رئيس القضاء ومدير سجن رجائي شهر في إيران بسبب الاعتقالات التي شهدتها إيران. جاء ذلك في سياق تمديده «الأخير» لتعليق العقوبات الأميركية المتعلقة بالاتفاق النووي لمدة ثلاثة شهور، وإلا فإنه سيتخذ قراراً بالانسحاب من الاتفاق. هذه المهلة حددها ترامب أيضاً للتوصّل إلى اتفاق مع الاتحاد الأوروبي على تعديلات تريدها واشنطن في الاتفاق النووي. لكنّ الأوروبيين يفضّلون الإبقاء على الاتفاق طالما أن تسعة تقارير لوكالة الطاقة الذرّية، توكّد أن إيران تلتزمه، ويفصلون بينه وبين خلافات تستلزم حواراً مع إيران في شأن تجاربها الصاروخية وسلوكها في المنطقة.

الواقع أن كلّاً من الخيارين لا يجدي وحده ولا يأتي بنتائج. فمقترح «الحوار» الأوروبي من دون الضغط الأميركي قد تتلقفه إيران لمجرّد الظهور دولياً كقوّة إقليمية من دون أن توقف برنامجها الصاروخي وتخريبها الإقليمي، بل قد تستغلّه للمساومة على مكاسب نفوذية في المنطقة. وفي المقابل لن يكون الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي مفيداً طالما أن روسيا والصين، الشريكتان في التفاوض، ترفضان التعديلات المقترحة للاتفاق. فهنا أيضاً تستخدم الدولتان مناخ المواجهة الأميركية الإيرانية لمصالحهما التجارية والتسليحية، وكذلك لأهدافهما الاستراتيجية، فإيران أصبحت بالنسبة إليهما سدّاً أمام مدّ النفوذ الأميركي من غرب آسيا، كما هي كوريا الشمالية من شرقها.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com