حرب غزة: الجهود تنصب على وقف النار أو هدنة إنسانية

حرب غزة: الجهود تنصب على وقف النار...

للمرة الأولى يجرؤ عدد ملحوظ من المعلقين والمؤرخين والأكاديميين على وصف الأهداف الإسرائيلية بأنها «التنظيف العرقي» بعينه. يشير بعضهم إلى أن ما حدث عام 1948 كان حقاً سياسة «التنظيف العرقي» لإقامة دولة إسرائيل اليهودية وتجريدها من الفلسطينيين، مسيحيين أو مسلمين.

المصدر: راغدة درغام

مواقف الرئيس الأميركي باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري المعنية بغزة تثير الحيرة بسبب ارتباكها وعدم تماسكها وافتقادها استراتيجية التفكير والتنفيذ. جهود الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون تتسم بالتردد والحذر خوفاً من الانزلاق في أحضان النقمة الإسرائيلية أو العتب العربي عليه أو الغضب الأميركي منه. تركيا تقحم نفسها في مسألة غزة لتزاحم مصر وتزايد عليها بعدما أسقطت مصر حكم «الإخوان المسلمين» ومشروعهم الإقليمي والذي كانت تركيا والرئيس رجب طيب أردوغان راعية أساسية له وهي تنقلب على العلمانية الأتاتوركية. إيران صمتت في البدء ثم نطقت عبر مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية آية الله علي خامنئي داعية العالم الإسلامي إلى تسليح «حماس» التي أوصلت طهران إليها الصواريخ عبر الأنفاق. قطر عيّنت نفسها شبه ناطق باسم «حماس» تفاوض عنها وتوصل مطالبها إلى واشنطن ونيويورك والقاهرة. السعودية دعمت المبادرة المصرية لوقف النار وهي تحرص على عدم الاستغناء عن أو الاستهتار بالسلطة الفلسطينية التي يترأسها محمود عباس وتسعى إلى إنقاذ المبادرة العربية للسلام مع إسرائيل. ثم هناك «حماس» التي تعتبر حرب غزة إنجازاً استراتيجياً لها لأنها أسفرت عن إعادة «حماس» إلى الواجهة السياسية، أعطتها الفرصة لتحدي جبروت إسرائيل وآلتها العسكرية، جعلتها طرفاً مفاوضاً مع إسرائيل كأمر واقع، وحشدت تعاطفاً من الرأي العام العالمي ودعماً من الرأي العام الإسلامي وراءها. أما إسرائيل فإنها أضافت إلى قائمة مطالبها تجريد التنظيمات الفلسطينية من الصواريخ والسلاح وجعل غزة منطقة منزوعة السلاح، وكذلك تحقيق ردم الأنفاق إما بضمانات دولية أو عبر هدم المنازل والمنشآت فوقها بأية كلفة كان. في هذه الأثناء بلغ عدد الضحايا المدنيين الفلسطينيين أكثر من 1300 قتيل وحوالى 7 آلاف جريح. في هذه الأثناء، وفيما تتفاوض صواريخ «حماس» مع صواريخ إسرائيل، يُقتل طفل فلسطيني كل ساعة. في هذه الأثناء تنقرض فِرص صنع السلام وتتكاثر الدعوات إلى «هدنة إنسانية» فيما يلوح في الأفق شبح المجازر الآتية.

بعجرفتها وعنفها، حصدت إسرائيل لنفسها انتكاسة استراتيجية في حرب بينها وبين منظمة تصفها بأنها «إرهابية» اضطرت للتفاوض معها – عبر طرف ثالث – على وقف النار. حققت إسرائيل لنفسها سمعة الإفلاس الأخلاقي وانحطاط القيم وهي تبرر استهداف المدنيين وقتل الأطفال وقصف المدارس الواقعة تحت حماية الأمم المتحدة.

أثارت حكومة إسرائيل – وأثار الدعم الشعبي لإجراءاتها – حفيظة الرأي العام العالمي الذي لم يعد يتحمل مشهد الضحايا من الأطفال والبيوت المدمرة واشتعال مركز التوليد الكهربائي الوحيد في غزة واستهداف المستشفيات.

وللمرة الأولى يجرؤ عدد ملحوظ من المعلقين والمؤرخين والأكاديميين على وصف الأهداف الإسرائيلية بأنها «التنظيف العرقي» بعينه. يشير بعضهم إلى أن ما حدث عام 1948 كان حقاً سياسة «التنظيف العرقي» لإقامة دولة إسرائيل اليهودية وتجريدها من الفلسطينيين، مسيحيين أو مسلمين. وتزداد الأصوات ارتفاعاً ضد الممارسات الإسرائيلية في غزة تحقيراً لأهلها ولحرمانهم من القدرة على العيش الطبيعي بسبب الحصار الكامل. ثم هناك مَن بدأ في الإعلام الأميركي – وليس الأوروبي فحسب – ينتقد مقولة إسرائيل بأنها تمارس حق الدفاع عن النفس، وأنها تبلّغ العائلات بأن عليها مغادرة منازلها قبل القصف الإسرائيلي لها والكل بات يردد «إلى أين؟» وبدأ النقاش يشق طريقه إلى الرأي العام حيث التساؤل حول ما تعنيه إسرائيل حقاً بإصرارها على الاعتراف الدولي بها كدولة يهودية – بمعنى دولة لليهود خالية من الفلسطينيين – وما يتطلب ذلك من إبعاد قسري و»تنظيف عرقي» في القرن الواحد والعشرين.

بالتأكيد، كل هذا الغضب من إسرائيل لم يأت على «حماس» بإعفاء لها من مسؤولية إخفاء الصواريخ بين المدنيين الفلسطينيين، وإطلاقها الصواريخ على الإسرائيليين، وحفرها الأنفاق لتلقي السلاح المتطور من إيران والأموال من الدول والأفراد المتعاطفين مع «الإخوان المسلمين». هذا فيما كانت «حماس» تشارك في حكومة السلطة الفلسطينية التي التزمت بالمفاوضات السلمية وليس بالكفاح المسلح. «حماس» و «الجهاد الإسلامي» وغيرها من المنظمات المسلحة شاءت أن تفرض نفسها لاعباً مباشراً مع إسرائيل – أو يشاء لها آخرون أن تفعل.

«الآخرون» متعددو الهويات والجنسيات والغايات. مَن كان وراء اختطاف وقتل الشباب الإسرائيليين الثلاثة؟ ومَن دفع «حماس» إلى إطلاق الصواريخ ورفض المبادرة المصرية لوقف النار؟ لعل قطر وتركيا شجعتا «حماس» على رفض المبادرة المصرية، لكن إيران هي التي يرتبط اسمها في أكثر من محفل بالتحريض على إشعال الفتيل مع إسرائيل، والسبب، كما يتردد، هو أن إيران أرادت إبلاغ إدارة أوباما أنها تمتلك المفاتيح الأساسية في الشرق الأوسط، ليس في العراق وسورية ولبنان والسودان واليمن فحسب، وإنما أيضاً في عقر الدار الإسرائيلي.

طهران تدرك أن الرئيس باراك أوباما يريد أكثر ما يريد أن يكون إنجاز الاتفاق النووي والتطبيع مع إيران تركته التاريخية. طهران تعتقد أن في وسعها جر الولايات المتحدة إلى ما تريده منها: الاتفاق النووي، مباركة دورها الإقليمي، والتعهد بعدم محاولة الإطاحة بالنظام. وهي ترى أن الوقت ملائم للمقايضات ولإبلاغ رسالة تبرز أهميتها على صعيد التطورات الفلسطينية – الإسرائيلية إذ بوسعها إيقاف تدفق الصواريخ أو مضاعفة أعدادها إلى «حماس» والمنظمات الأخرى.

وقف النار هو المحطة الأولى التي تسعى وراءها الأمم المتحدة والولايات المتحدة وبان كي مون ينسق عن كثب مع جون كيري لمعاونته في جهوده. يومياً يعرب بان كي مون عن الأسى والأسف والامتعاض ويدعو إلى «هدنة إنسانية» و «وقف النار» و «الحوار» والتطرق إلى جذور المشكلة. مفاتيح وقف النار تبدو واضحة في أيدي قطر وتركيا وإيران نظراً لعلاقاتها مع «حماس» و «الجهاد الإسلامي» بغض النظر عن دعم قطر وتركيا لـ «الإخوان المسلمين» السنّة وعن كون إيران الراعي الشيعي للمقاومة ضد إسرائيل.

بالموازاة، تزداد صعوبات التوصل إلى وقف النار ليس فقط بسبب رفض «حماس» لوقف نار دائم لا ترافقه ضمانات برفع الحصار، إذ إن إسرائيل عازمة على الاستمرار بالحرب على غزة لإغلاق الأنفاق بعدما تبين لها أن تدمير الأنفاق ربما هو هدف ممكن تحقيقه فيما القضاء على كل الصواريخ لدى «حماس» أمر أصعب.

الجهود تنصب على وقف النار أو تحقيق هدنة إنسانية يرافقها العمل وراء الكواليس على اتفاق يعالج المطالب الإسرائيلية ومطالب «حماس». أي، بحسب وصف مصدر ديبلوماسي غربي «التوصل إلى وقف النار على أن يُرفَق باتفاق يعالج القضايا الأخرى وبينها نزع السلاح في غزة وفتح المعابر وعودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع». وأوضح أن «نزع السلاح يُقصد به ضمانات لإسرائيل بأن غزة لن تُستَخدم مجدداً لإطلاق الصواريخ وهو ما قد يتطلب آلية مراقبة في حال التوصل إليه». وأكد الديبلوماسي المطلع على «أهمية منح الفلسطينيين ضمانة بفتح المعابر وإمكانية انتقال الأفراد والحاجيات، والصيد البحري، وعودة السلطة الفلسطينية إلى غزة».

مدى واقعية هذه التطلعات ليس معروفاً بعد، فهي أفكار استطلاعية تعمل عليها واشنطن مع الرياض والدوحة والقاهرة وأنقرة، إنما ليس مع طهران ما لم تكن تفعل ذلك سراً. الحملة الإسرائيلية على جون كيري التي وصفته بأنه من «المخلوقات الفضائية» واعتبرته شبه كائن خرافي ارتدّت على إسرائيل بعض الشيء لكنها بالتأكيد لم تقطع الوصال بين إدارة أوباما وحكومة بنيامين نتانياهو. وجون كيري ما زال يبحث عن ذلك الحل الزئبقي ويعتقد أن مأساة غزة قد تحرك الأمور اضطراراً نحو الحلول الجذرية لقطاع غزة أي: تحويل القطاع إلى منطقة منزوعة السلاح وضمان تجريد المنظمات الفلسطينية من السلاح مقابل رفع الحصار عن غزة وعودة السلطة الفلسطينية إليها.

قد ترغب إسرائيل بمثل هذا الحل في القطاع لتصبح غزة نموذج الدولة الفلسطينية المرغوب بها إسرائيلياً – دولة منزوعة السلاح لا تمتلك السيادة. ما لا تريده إسرائيل ولن تسمح به هو تحقيق «حل الدولتين» كما يتصوره جون كيري وكما تبنته الأسرة الدولية.

من هنا، يصعب تصوّر التوصل إلى حلول جذرية للمسألة الفلسطينية. ويمكن تصوّر سقوط المزيد من مئات الضحايا المدنيين الفلسطينيين، وربما الآلاف، قبل التوصل إلى اتفاق وقف نار بين «حماس» وإسرائيل يعالج العلاقة بينهما على أنقاض غزة وأهلها.

ما لن يحدث هو إجبار مصر على فتح حدودها مع غزة. والأرجح أن يحدث هو اتخاذ إسرائيل كل التدابير العسكرية لضمان ردم الأنفاق ومنع إعادة شقها لتمر الصواريخ منها حتى وإن تطلّب ذلك المجازر التي تدمر سمعتها.

ماذا ستفعل إدارة أوباما؟ ستدين، كما دانت قصف إسرائيل لمدرسة «الأونروا». قد تسمح بقرار لمجلس الأمن على نسق البيان الرئاسي الذي سمحت بإصداره الأسبوع الماضي وشكّل سابقة في المواقف الأميركية نحو بيانات وقرارات مجلس الأمن المتعلقة بإسرائيل، إذ تحدث البيان عن المحاسبة وعن عدم جواز استمرار انتهاكات القانون الإنساني الدولي.

ما تحتاج إدارة أوباما أن تقوم به يتطلب، أولاً، العودة إلى طاولة رسم الاستراتيجية لتتناول النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي من منطلق الواقع الجديد وأبرزه إعلان نتانياهو أن إسرائيل لن تقبل أبداً بسيادة فلسطينية في الضفة الغربية أو غزة ناعياً بذلك «حل الدولتين» الذي يمثل ركيزة السياسة الأميركية.

أما المعالجة الجزئية لغزة على أساس نزعها من السلاح مقابل رفع الحصار فإنه ليس سوى مثال على تراجع جذري في مواقف واشنطن، إذ انه يجزّئ «حل الدولتين» ويشارك في دفنه.

بقي أن على دول الشرق الأوسط أن تكف عن الاتجار بالفلسطينيين، والكلام بالذات عن تركيا وإيران. الدول العربية أيضاً لطالما تاجرت بالقضية الفلسطينية وأغرقت فلسطين بالوعود الفارغة. وحان لها إما أن تدعم الحل العسكري صراحة وتشارك في الحرب مع إسرائيل، أو، أن تجد وسائل أخرى لدعم المقاومة المدنية للفلسطينيين قبل أن تبدأ إسرائيل بالحل الديموغرافي الذي يتطلب منها تنفيذ «التطهير العرقي» لتصبح إسرائيل دولة يهودية صرفة. والخيارات كثيرة. أما فلسطينياً، لقد بات ضرورياً لمختلف أطياف القيادات المتنازعة أن تقرر إن كان قتل طفل فلسطيني كل ساعة ثمن رخيص أو إنه كلفة غالية.

(الحياة)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com