صدى مفاوضات كوريا الشمالية!

صدى مفاوضات كوريا الشمالية!

محمد خلفان الصوافي

بعض التسريبات الإعلامية ينبغي ألا نأخذها على أنها «كلام جرايد»، كما يحب البعض أن يصفها متندراً ومقللاً من جديتها ومحاولاً إقناع الرأي العام بعدم حدوث ما تم تسريبه أو أنه من الأشياء المستحيلة أصلاً، حتى ولو بدت التسريبات كما لو أنها بعيدة عن الواقع في لحظته.

وفي العلاقات الدولية تكون بعض تلك التسريبات أقنعة سياسية لدى الدول الأخرى أو بالونات اختبار لقياس مدى تقبل الآخرين لمشروع سياسي معين ومعرفة ردة فعل الرأي العام حول قضية معينة.

وفي هذه الأيام هناك تسريبات إعلامية تقول إن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافرورف دعا كلاً من كوريا الشمالية والولايات المتحدة إلى بدء المفاوضات حول الخلافات القائمة بينهما، سواء فيما يتعلق بالبرنامج النووي لكوريا الشمالية، أو فيما يتصل ببرنامجها للصواريخ الباليستية.

واللافت في تلك التسريبات أن كوريا الجنوبية تتوقع أن تسعى جارتها كوريا الشمالية (الطرف المتشدد) إلى إجراء المفاوضات لإحداث تقارب مع الولايات المتحدة، مما يعني أنه لا ينبغي فقط التركيز على التحليلات التي تنقلها القنوات التلفزيونية، التي تميل إلى أننا على شفا حرب بين البلدين من منطلق التصريحات المتشددة الصادرة عن واشنطن وبيونج يانج.

ونحن في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي بشكل خاص يمكن أن نستوعب تلك التسريبات ونفهمها في سياقها، حيث عشنا ما يشبه مثل هذه التجربة بين إيران والولايات المتحدة أكثر من مرة، إذ عادة ما تعطي «اللغة الإعلامية أو السياسية» بين الطرفين انطباعاً قوياً بقرب حصول مواجهة بين البلدين، لكن سرعان ما يحدث العكس فنسمع عن قيام النظام الإيراني بالإفراج عن مواطنين أميركيين، وعن خطوات أميركية أخرى ودية حيال إيران!

ومما لا شك فيه أن مجرد اقتناع كوريا الشمالية في ظل هذه الأوضاع بأهمية إجراء المفاوضات مع الولايات المتحدة لحل الخلافات بينها، هو بحد ذاته «مفاجأة سياسية» من نوع كبير، ينبغي التعامل معها باهتمام كبير، وليس انطلاقاً من إنكار إمكانية تحقيقها على اعتبار أنه من الأفضل دائماً تحسب السيناريوهات السيئة أو غير المتوقعة في حالة كهذه، كي لا نتفاجأ بما لم يكن أن نتوقعه، مثلما حدث مع تجربة انتخاب الرئيس دونالد ترامب، ثم قراره الذي أمر فيه بنقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة، وكي لا تتكرر أيضاً تجربة باراك أوباما مع إيران.

ويكتسب الأمر أهمية إضافية إذا وضعنا في اعتبارنا أن الخلافات النووية الأميركية، سواء مع إيران أو مع كوريا الشمالية، ليست أصل المشكلة بقدر ما هي «أدوات ضغط» للحصول على امتيازات سياسية أكثر، وبالتالي فإن التنازل عنها ليس بتلك الصعوبة إذا ما حصلت على ما تريده من واشنطن التي تتعامل مع المتغيرات السياسية وفق المصلحة أولاً.

الحرب الكلامية ما هي إلا وسيلة لتشتيت الأنظار بعيداً عن الحديث الجاد حول صلب الصراع، وهذا هو الشيء الوحيد الذي تحققه على اعتبار أن هناك الكثير من السبل والمؤشرات قبل الحديث عن مواجهة عسكرية بين بلدين يدركان معنى الحرب النووية ومخاطرها الماحقة. لذا علينا ألا نقلل من أهمية «التسريبات»، وأن نعترف بأنها هي «الأدق» في أحيان كثيرة، حتى ولو بدت ضمن مجال اللامعقول في العلاقات الأميركية، علماً بأنه توجد نماذج كثيرة من اللامعقول في العلاقات الدولية أو السياسة الخارجية الأميركية، منها توقيع الاتفاق النووي مع النظام الإيراني، ومنها إجراء المفاوضات مع حركة «طالبان»، فالذي يعتقد أن مبادئ الدول لا تتغير يكون أثبت أنه ما زال متأخراً عن فهم ما حدث ويحدث في الواقعية السياسية، خاصة في الحراك الاستراتيجي في عالم اليوم.

وباعتبار أن الدول العربية هي الطرف الذي يخسر في كل الترتيبات الاستراتيجية، كما علمتنا كثير من التجارب السياسية، فإنه ينبغي الاعتراف بأن هناك دولاً إقليمية تجيد إدارة صراعاتها وخلافاتها مع الولايات المتحدة بذكاء، وأن الأمر ليس كله التأييد الكامل أو الاتفاق أو الرفض الكلي، وأن ما يتم في العلن من التشدد في الخطاب، حتى ولو وصل الأمر إلى حد إطلاق صواريخ باليستية، ليس معناه قرب قيام حرب لأنها في كثير من الأحيان تكون «لغة حوار دبلوماسي»، لكن بأسلوب مختلف، فالمهم في العلاقات الدولية هو وضع سيناريوهات واحتمالات، ليس لحدوث الأفضل بالضرورة، ولكن أيضاً حول كيفية التعامل مع أسوأ الاحتمالات بغية تقليل حجم الآثار السلبية الجانبية.

ما نتمناه من هذه الترتيبات التي تحدث، في المنطقة وأنحاء أخرى من العالم، هو أن تكون عامل ضغط على النظام الإيراني، خاصة أنه يواجه هذه الأيام مظاهرات شعبية تبدو أنها حقيقية وتزداد يوماً بعد يوم وما تحتاجه فقط هو الحصول على تأييد من الدول الغربية عموماً: كي تعطي زخماً سياسياً دولياً، وكي تثبت الولايات المتحدة، ومعها أوروبا، بأنها ضد ما يفعله نظام الملالي في داخل إيران وخارجها من خلال نشاطاتها العسكرية والميليشاوية المزعزعة للاستقرار الإقليمي.

وسيكون التحدي الأكبر والخطأ الاستراتيجي لو تم تجاهل ما يحدث من تسريبات إعلامية وتحركات سياسية في الإقليم والعالم، ولو لم يستعد العالم العربي لتقليل الآثار الناتجة عليه.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com