بدأت بترمب… وانتهت بالقدس

بدأت بترمب… وانتهت بالقدس

عثمان ميرغني

ما من منطقة في العالم تطغى عليها منذ فترة طويلة أخبار الحروب والصراعات مثل العالم العربي، حتى بات من الصعب على المرء أن يتذكر متى كانت آخر مرة يحتفي فيها العرب بنهاية سنة لم تتخللها مآس، أو خلافات عاصفة، أو توترات وحروب. 2017 لم تكن سنة مختلفة على هذا الصعيد من ليبيا إلى اليمن، ومن العراق إلى سوريا، مروراً بالتوترات والتأرجحات في العلاقات من أزمة سد النهضة وتوتر العلاقات المصرية – السودانية، إلى أزمة قطر.

لا أود هنا تقديم جردة بأهم أحداث العام، لكنني سأكتفي بحدثين فقط يلخصان في تقديري كثيرا عن السنة الراهنة وسيهيمنان أيضاً على أحداث 2018، وعلى الأرجح ما بعدها أيضاً. السنة بدأت بدخول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض رئيساً في 20 يناير (كانون الثاني)، وانتهت بقراره البالغ الخطورة بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل والبدء في إجراءات نقل السفارة الأميركية إليها، وهو قرار ستكون له تبعاته على الأوضاع في المنطقة. فمنذ اليوم الأول في المكتب الرئاسي أثار ترمب بتصريحاته وسياساته وتغريداته كثيرا من الزوابع، وقلب كثيرا من الموازين داخلياً وخارجياً، مثلما أحدث كثيرا من التوترات إلى الحد الذي بدأ معه بعض المعلقين والسياسيين يتحدثون علناً عن مخاوفهم من احتمال أن يجر الرجل العالم إلى أزمات وربما حروب كبرى، مشيرين بالأخص إلى التوتر المتزايد مع كوريا الشمالية والمبارزات الكلامية التي جرت بين رئيسي البلدين ووصلت إلى حد التهديد بالتدمير النووي، لكن بالنسبة للعالمين العربي والإسلامي فإن ترمب فجر قنبلة من نوع آخر عندما أعلن في السادس من ديسمبر (كانون الأول) الحالي قراره الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها. فالقرار لا ينتهك كل القرارات الدولية حول وضع المدينة فحسب، بل يوجه ضربة مميتة لحل الدولتين، ويضع المنطقة أمام منعطف خطير.

بعض المعلقين والمحللين رأوا أن ترمب اتخذ قراره في هذا التوقيت لصرف الأنظار عن أزماته الداخلية، لكن هذا التفسير لا يقدم أو يؤخر خصوصاً أن الرجل تعهد بهذه الخطوة طوال حملات الانتخابات الرئاسية، وأراد تنفيذها منذ أول أيامه في البيت الأبيض. ترمب أراد فرض واقع معين قبل إطلاق مبادرته المسماة «صفقة القرن»، وكسر الطوق حول نقل السفارات إلى القدس. ولذلك رفض الاستماع إلى كل النصائح والتحذيرات التي تلقاها من كثير من الدول في المنطقة وخارجها من مغبة هذه الخطوة وخطورة تداعياتها. كما أن إدارته لجأت إلى التهديد بقطع المساعدات عن الدول التي صوتت لصالح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الرافض الخطوة الأميركية والداعي إلى الرجوع عنها.

خطوة ترمب هيأت لإسرائيل فرصة الاتصال بدول أخرى لإقناعها باتخاذ خطوة مماثلة، في محاولة لتغيير وضع القدس بسياسة الأمر الواقع. وبعد إعلان غواتيمالا هذا الأسبوع أنها قررت نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس، أعلنت حكومة بنيامين نتنياهو أنها تتفاوض مع تسع دول أخرى «تدرس بجدية» اتخاذ خطوة مماثلة، ووفقاً لبعض التسريبات فإن من بين هذه الدول رومانيا وجمهورية التشيك وهندوراس والفلبين وجنوب السودان.
هناك مؤشرات أخرى على أن إسرائيل تعمل للبناء على قرار ترمب لاستكمال ابتلاع القدس، منها إعلان وزير الإسكان والبناء الإسرائيلي عن مخطط لبناء مليون وحدة استيطانية في الضفة الغربية خلال العشرين سنة المقبلة، بما في ذلك بناء وحدات سكنية في «القدس الكبرى». السلطة الفلسطينية اعتبرت الخطوة تكريساً للمشروع الإسرائيلي الهادف إلى فصل القدس عن محيطها الفلسطيني بالكامل، وهو ما يتماشى أيضاً مع التسريبات عن أن إدارة ترمب تعرض على الفلسطينيين عاصمة بديلة في منطقة أبو ديس يربطها فقط جسر بالمسجد الأقصى لتمكين المسلمين من الصلاة فيه.
الدول العربية والإسلامية إذا لم تتخذ خطوات ضد إدارة ترمب رداً على قرارها لأسباب كثيرة، فإن عدم اتخاذ خطوات ضد الدول الأخرى التي تعلن اعتزامها نقل سفاراتها إلى القدس، مثلما فعلت غواتيمالا هذا الأسبوع، لن يكون مفهوماً وقد يفسر على أنه قبول بالأمر الواقع الذي تريد إسرائيل فرضه بمساعدة الإدارة الأميركية الحالية. فإذا كان ترمب يلوح بقطع المساعدات الاقتصادية عن الدول التي صوتت ضد قراره في الجمعية العامة للأمم المتحدة، فمن باب أولى أن تستخدم الدول العربية والإسلامية السياسة ذاتها وتفرض مقاطعة اقتصادية على الدول التي تريد نقل سفاراتها للقدس. وللتذكير فإن غواتيمالا سبق لها في تسعينات القرن الماضي أن تراجعت عن نقل سفارتها إلى القدس بعدما ردت عليها الدول العربية بإعلان مقاطعتها اقتصاديا.
قضية القدس التي طغت على نهاية العام ستكون موضوعاً رئيسياً في عام 2018 بلا شك، وستشكل تحدياً كبيراً للعلاقات مع إدارة ترمب التي لا تنقطع مفاجآتها وقراراتها المحيرة، في ظل أوضاع متوترة أصلاً ومليئة بالتحديات سواء كانت إقليمية أو دولية.

الشرق الأوسط

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة